بين صدرين وضربتين



p05_20070201_politicsfull.jpg


جعفر حمزة*


ما إن تتراءى لك ذكرى عاشوراء حتى يترافق معها كظلها السواد الذي يلف الأمكنة والأجساد، وذلك في المجتمعات التي تُحيي ذكرى واقعة الطف الذي اُستشهد فيها الإمام الحسين (عليه السلام) سبط الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبطريقة بشعة قلّ مثيلها في التاريخ البشري.

ذلك السواد الذي يمتص كل ألوان الطيف والحياة ليكتنزها في لون واحد وهو لون قاتم ينبض بالحياة بالرغم من قتامته، وذلك هو أحد أسرار عاشوراء والتي يتحوّل الألم فيها إلى أمل، والحزن إلى مُزن من القيم والمبادىء النبيلة.


وكحال أى ذكرى يتمثلها البشر من السماء أو الأرض، تتحرّك تلك الذكريات لتكون مجسمة بفعل وقول ولباس وحركة وجو عام ، كالحج الذي تتمثل فيه العبادة والخضوع المطلق لرب العالمين عبر صور ملموسة كالطواف حول البيت العتيق ولبس الإحرام والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمرات، وكلها تمثّلات تجسد القيم والمبادىء الذي يحملها موسم الحج في كل صوره وحركاته، وكذا الصلاة والصوم وغيرها من الصور العبادية عند المسلمين، وتسري القاعدة في الديانات السماوية الأخرى فضلاً عن الديانات والمعتقدات الأرضية، لأن الإنسان بطبيعته كائن أرضي يُجسّد المعاني بصورة قريبة إلى ذهنه ويمارسها متمثلة في تلك الصور المعاني والعناوين القيمية.

ومع فطرية تلك الحركة إلا أنها تكون في منطقة رمادية قد تتأرجح بين اليمين والشمال، لذا توضع المؤشرات والمعايير التي تحتفظ بالمعنى وتهذّب الشكل من الناحية الشرعية الفقهية كأبرز صور التقييم، كحال راكب الفرس، فلا يستطيع أن يمضي لهدفه وحيداً، ولا يمكنه أن يترك الحبل على الغارب للفرس ليتجه به إلى غير المكان المقصود.


ومن الصور البصرية المرافقة لأعظم حدث تاريخي في المجتمع البشري هو ما جرى على حفيد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من مجزرة وحشية قام بها جيش عمر بن سعد بأمر من الخليفة الرسمي آنذاك -الذي أخذ الخلافة بالقوة والإرهاب والتدليس- يزيد بن معاوية، ومن تلك الصور المرافقة لإحياء تلك المناسبة والتي تمثل رمزية شموخ الحق في وجه الباطل بكل القيم التي تمثل الحق من نبل وتضحية وفداء وبذل وعدالة وإصلاح في قبال كل القيم الباطلة من إجحاف وظلم وتدليس وخداع وتحكيم أهواء .هي صور التعبير عن حجم الفاجعة وتذكرها بصورة جمعية من خلال التعبير عن الحزن لتلك المأساة عبر ضرب الصدور في مواكب العزاء أو في مجالس التعزية التي تُقام للتذكير بتلك الحادثة المأساوية ونشر القيم النبيلة التي جاهد واُستشهد من أجلها حفيد الرسول الأكرم (صلى اله عليه وآله وسلم).


ويمثل ضرب الصدر حالة تعبيرية لمعايشة المأساة والألم من تفسّخ الإنسانية الذي أدّى إلى تلك التراجيديا التاريخية في مكان المأساة (كربلاء)، وتلك الصورة طبيعية ضمن المعايشة الفطرية لأي مأساة إنسانية، وهي طريق ملموس للوصول إلى مساحة القيمة الفعلية للشعيرة، فالطواف حول الكعبة حالة عملية ملموسة تُجسّد قيمة الخضوع المطلق للعبد تجاه ربه، كذا الأمر في كل الصور العبادية الأخرى، والمشترك في القاعدة الفكرية لكل تلك الصور هي حالة التغيير الإيجابي والتقرّب إلى الله عبر إحداث الإصلاح في الفرد والمجتمع ليصل الأخير إلى حالة التقوى والثبات على المبادىء، لذا كانت الشعائر من تقوى القلوب.

وإحياء ذكرى عاشوراء الحسين بما فيها من قيم إنسانية نبيلة تمثل إحدى الصور التعبيرية للشعائر ما دامت تقرّب إلى الله وتحول المجتمع إلى حالة إصلاح وتغيير إيجابي.

وعوداً إلى تلك الحالة الجسدية التوافقية بين ضرب الصدر باليد، وحديثنا هنا عن الحالة الطبيعية للضرب وليس الضرب المبرح المؤذي، وفي ذلك ما للعلماء والفقهاء من آراء متباينة نوعاً ما، وإن كان السواد الأعظم لا يُجيز الضرب المبرح، إلا أن الحديث هنا عن المنطقة المتفق عليها في التعبير هو ضرب الصدر. فلم ضرب الصدر؟


ألا ترَ أن من يتوقف قلبه يتم إنعاشه بصعقات كهربائية ليعود النبض لقلبه من جديد؟

ضرب الصدر حالة شعورية تعبيرية إنسانية تختزن في ذاتها الألم فيتحوّل إلى ضرب للصدر، ليكون التالي المتوقع هو العمل من خلال تحريك ما بداخل الصدر وهو القلب ليستيقظ وينتعش ويقوم بالتغيير.

وشتّان ما بين الضربتين، بين ضرب الصدر حزناً وتفاعلاً ظاهرياً وبين ضرب الصدر للقلب ليغيّر الفرد سلوكياته نحو الأفضل ويتخذ من قيم المناسبة نبراساً وعنواناً.، فشتّان ما بين الضربتين، قد تكون ضربة الخارج لإرضاء النفس والتماشي مع العقل الجمعي، وضربة الداخل ليكون التغيير بداية انطلاقة من محرّم كمحطة بداية ومراجعة إلى محرّم القادم.


فأي الضربتين ننشد وأيها نستمر فيه؟ أضرب الخارج ليحمر الجلد ونرضي النفس ونقفل عائدين بعد أن قضينا ما علينا من مراسم وطراً؟ أم نجعل تلك الضربة الخارجية تصل بقوة الوعي وبحجم المأساة إلى عمق القلب ليتحرك ويتغير؟


وليكون ما ذكرناه عملياً، لا بد من ثلاثية تضمن وصول الضرب للقلب ليتحرك، وهي:

المعاهدة والتمثيل والمتابعة


المعاهدة: الاستفادة من المناسبة لتكون هي المعاهدة بين محب وعارف حق الحسين عليه السلام وقيم الحسين عليه السلام. التي اُستشهد من أجلها، ويكون ذلك من خلال التشرّب الأمثل من المجالس الحسينية ذات الفائدة الأكبر عبر مواضيع الخطيب والمشاركة في الفعاليات المجتمعية ذات المردود الإيجابي للمجتمع، من قبيل التبرع بالدم ومساعدة المحتاجين والتقرّب من الفقراء ومعاونة الضعيف، ونصرة المظلوم بالطرق المُتاحة والممكنة.

ويلزم لتلك المعاهدة نية صادقة ووعد عملي بين الفرد وقيم الإسلام المتمثلة في الإمام الحسين عليه السلام.



التمثيل: أخذ القيم من هذه المناسبة وتمثيلها في الحياة اليومية من أجل هدف أسمى هو هدف الإمام الحسين عليه السلام في خروجه ( الإصلاح) بكل ما للإصلاح من حركة في الأسرة والقرية والمجتمع والدولة والعالم.

ويكون ذلك باتباع الأسباب المؤدية إلى التمثيل الملموسة نتائجة، وذلك من خلال التماس الطُرق والوسائل الكفيلة بتمثيل تلك القيم بما يتناسب مع التغيرات التي تطرأ على المجتمع، سواء من ناحية التعبير أو ماكينة التغيير.


المتابعة: وهي آلية ضرورية للتأكد من أنّ القيمة المطلوبة موجودة بالفعل والقوة، وهي السبيل لإنعاش وضخ الروح في وجود القيمة بحركتها في الفرد والمجتمع. ويكون ذلك من خلال وضع نقاط مراجعة يتم الرجوع إليها ليتم التقييم إثر الأهداف الموضوعة، سواء كان الأمر في الدائرة والفردية كالمحافظة على الصلاة في أوقاتها ومساعدة المحتاجين أو عبر التغيير في الدائرة الأكبر في المجتمع عبر التوعية ورفع مستوى الفهم العام لقيم الإصلاح الحقيقي.

وما يمّيز مدرسة أصحاب أهل البيت عليهم السلام هي وجود محطات زمنية غير متباعدة في إحياء مناسباتهم، وبالتالي تكون مسألة المتابعة حيوية وليست متباعدة الزمن، فمناسبات ذكرى المواليد والوفيات والاستشهاد والأحداث ما يقارب من مائتين مناسبة في السنة، أي أنها تغطي كل السنة، مع وجود محطات أربع رئيسية وهي:

أولاً: شهري محرم وصفر، ثانياً: شهر رمضان، ثالثاً: موسم الحج، رابعاً: الأعياد والوفيات.

وتلك المحطات كفيلة بمتابعة مستمرة وحيوية للأهداف الموضوعة للفرد والمجتمع للتغيير.


ويمثل الصدر الأول (اللطم علي الصدر تعبيراً عن الحزن) من أشد الساحات تأثيراً وتغييراً في الصدر الثاني (التغيير في القلب بالتزام القيم والعمل بها).


وقلّما تجد أنموذجاً حيوياً يعيش كل تلك السنين الطويلة وما زالت تحتفظ بصورة صدريها ( السلوك الظاهري كشعيرة والتغيير الإيجابي التي تحملها صور عاشوراء كقيمة).


والمطلوب في مثل هذه الحالة هو تجسير الهوّة بين الصدرين والضربتين، بين لطم الصدر كحركة ظاهرية مجتمعية لها أثرها الواضح وبين القيمة التي يجب أن تتواجد في القلب الذي يحويه ذلك الصدر.



* مختص في ثقافة الصورة والاقتصاد المعرفي

«نبراس» ماركة تحمل القيم الإسلامية بألوان عصرية





لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه»، تلك هي ثيمة تقديم البديل في أية ثقافة، ومع ذلك فهناك ضعف خفي في البديل كونه يأتي كرد فعل لا فعل، وبالتالي يفتقد عنصر الابتداء والابتداع، وعلى إثره تكون هناك مساحات قد سبقها إليه صاحب الفعل، ومع كل ذلك فمن يقدم البديل تكون له القوة والقدرة على المواجهة بالمعنى الثقافي، وله الآليات ليخرج ما في جعبة ثقافته ما يناسب مجتمعه ليكون بديلا عما يقدمه الآخر.

ونتيجة للتدافع الثقافي الحاصل بين ما هو مقدّم من الغرب وما هو مطلوب من الثقافة الإسلامية في تجديد آلياتها واستحداث وابتداع طرق جديدة لها في الحضور، ظهرت فكرة «نبراس» التي تولدّت في منطقة مشتركة بين تفكير الكاتب جعفر حمزة، وهو مدير الإبداع للماركة، وجعفر القدمي وهو مدير المشروع.

وسعت «نبراس» كأول ماركة عربية في المنطقة العربية إلى تقديم البديل كمشروع يُظللها إلى ثقافة اللباس العصري بإطار ثقافي إسلامي وعربي، لتكون الأداة مشتركة وهي اللباس، ويكون التكنيك المستخدم مختلفا عبر اتخاذ الثقافة الإسلامية وقيمها الدافع والإطار لحركة تلك الثياب في ماركة «نبراس».


من السواد إلى كل ألوان الطيف

كانت البداية منذ محرم في العام الماضي، حيث كانت تختلج في ذهن الجعفرين فكرة الاستفادة من السواد الملبوس في ذلك الموسم الديني، ليحمل القيمة والرسالة بدلا من الموجود المتخبّط في كل سواد مهما كانت الرسالة ومهما كان التصميم الذي يعكس تصورا ثقافيا معينا.

فكانت التصاميم الأولى حاملة للسواد كلون بيد، ومقدمة للقيمة في اليد الأخرى، ومنها تم تصميم إحدى «التي شيرتات» تحت هذه العبارة:

73 Heroes … 1 Leader

Karbala

وكان التصميم الخاص بالأرقام مستوحيا من فيلم ملحمة تاريخية تم تقديمها كفيلم في السينما تحت عنوان: «300»، ولم تُهمل «نبراس» فئة الصغار فقدمت لهم نصيبا من عملها، فضلا عن فئة النساء أيضا بما يملن إليه من تصميم ولون.

وسيتم تقديم تصاميم جديدة في محرم هذا العام لتكون محافظة على شموليتها الإنسانية لقضية كربلاء، وفي أحد التصاميم تبرز عبارة المهاتما غاندي الشهيرة بثلاث لغات، هي الهندية والإنجلينزية والعربية، وبطريقة كلاسيكية بسيطة وجذابة.

وهناك تصميم آخر يظهر فيه رسم لبطارية ممتلئة باللون الأخضر ومكتوب فوقها:

Karbala is our Charger

أي «كربلاء هي التي تشحن حماسنا».


من الصلاة إلى الغيبة إلى القرآن

انطلقت «نبراس» من السواد لتتحول بعد إذن إلى كل ألوان الطيف بتعدد رسائلها المختلفة، فكانت رسالة الصلاة بارزة واضحة من خلال أحد أهم تصاميمها التي تمثل شخصا في وضع جلوس الصلاة وزخرفة تبعث على الأمل من حوله، مع عبارة باللغة الإنجليزية كنمط موجّه لذائقة الشباب، وتلك العبارة هي:

My Power in My Prayer

ومعناها «قوتي في صلاتي».

ومن التصاميم الأخرى، تلك التي تتناول موضوعا حيويا اجتماعيا خطيرا، وهو الغيبة، حيث يبرز هذا التصميم الغيبة من المفهوم القرآني وهو «أكل لحم الميت»، ويظهر ذلك من خلال وجود وجبة تحتوي على شطيرة همبرجر وبداخلها يد بشرية مقطوعة، وأصابع البطاطس التي يتضح أنها أصابع يد، بالإضافة إلى شراب الكولا لتعرف أنها دم، وبدلا من كتابة «لا للوجبات السريعة» تمت كتابة «الخطيئة السريعة» للدلالة على خطورة هذا الذنب الكبير في الإسلام. وكانت العبارة التالية:

Backstab.. do you want a bite؟

«الغيبة… تريد تجربها؟»

وكان للقرآن نصيب من «نبراس» كونه كتابا سماويا محفوظا ودستورا للمسلمين، ويجب التذكير بمكانته وقوته على التغيير. فكان التصميم الذي يحمل عبارة:

I can with Quran

أحد التصاميم التي تميزت باستخدام الزخرفة الإسلامية في كتابة العبارة.


ما زالت «نبراس» في بدايتها

وبعد مرور عام تقريبا منذ ولادتها إلى اليوم، مازالت «نبراس» تحث الخطى لتظهر بصورة احترافية وبمستوى يرقى لتلك الماركات ذات الحضور والمستوى المعروف، فطرقت أكثر من باب، لا لضعف في فكرتها، بل للبحث عن أفضل السبل للظهور، فاتخذت موقعا إلكترونيا ذا طابع مختلف سبيلا للترويج، فضلا عن بقية الوسائل الأخرى كالتغطيات الإعلامية المكتوبة عنها، ومن آخر وسائلها وسياسة طرق الأبواب الجديدة مشاركة ماركة «نبراس» في عرض أزياء أقامته جامعة «بولتيكنيك البحرين» لعارضين من البحرين والسعودية، وكان حضور «نبراس» مُلفتا في فكرتها وتفاعل الجمهور معها، حيث علت أصوات الإعجاب والتصفيق الحار عند ظهور شباب يرتدون «تي شيرتات» تحمل رسائل عن قيم متعددة في الإسلام وباللغة الإنجليزية، منها على سبيل المثال لا الحصر.

هناك سوق واعدة في المجتمعات المسلمة، بل وحتى في المجتمعات المسلمة في الغرب، ما علينا هو التركيز على إظهار رسالتنا كماركة تتميز بالاحتراف قدر الإمكان، لتكون قرارا لا خيارا للمسلم، بل وحتى غير المسلم الذي يميل إلى تلك الرسائل والقيم. وأول الغيث قطرة، وتسعى «نبراس» للانتشار على مستوى دول الخليج العربية لتتوسع إلى لبنان ومصر وإيران وتركيا والهند.



الوسط العدد : 2661 | السبت 19 ديسمبر 2009م الموافق 02 محرم 1431 هـ

يمكن زيارة الموقع الإلكتروني لنبراس عبر الموقع التالي

www.albadeel-bh.com


الخلطة السريّة


جعفر حمزة*

تقاطروا زُرافات ووِحداناً لعلّهم يظفروا بنصيب الأسد أو أقلّها نصيب الأرنب من “طبخة” خبير ياباني أعّد العدّة وأنذر نفسه لمن حضر بأن يكشف “سر الخلطة” التي “استأثر” بها اليابانيون ليكونوا في المقدمة وبمذاقهم الخاص.

“كايزن” كانت الخلطة السرية التي كشفها القادم من الشرق، وهي ليست بطبق شعبي أو خضار معدلّة وراثياً أو فاكهة لا تُزرع إلا في اليابان، وهي ليست بجهاز متطور أو رقاقة إلكترونية ذكية، ليس هذا ولا ذاك. وليس عجباً إذاً أن تشرأب أعناق الحضور الذي يربو على المائة والثمانون طوال ثمان ساعات دون أن ألحظ عيناً ناعسة أو أخرى متململة، فالكل كمن مسّه النشاط وأعتقه من جمود روتين اللقاءات والندوات ودوام العمل، ليقترب الحضور من معرفة إحدى أهم الخلطات السرية التي ساهمت في تطوير وتقدّم اليابانيين، وجعلتهم في مصاف المجتمعات التي تقود العالم تقنياً وعلمياً وفي أسلوب التفكير أيضاً.

وإن كان الأمر كذلك، فليس بغريب أن نرى إحدى خلطاتهم السريّة تُقدّم للعالم، ومن قبل أحد أكبر طهاتها، وهو البروفسور “فوجيتا” الذي يقوم بالتدريس في جامعة “واسيدا” اليابانية بطوكيو. والذي قدّم عرضه بدعوة كريمة وفي محلها من “تمكين”. (١)

فما هي خلطة “كايزن” تلك؟ وهل لها دور في جعل اليابانيين نشطين دوماً، وهل هي بالفعل الخلطة السرية التي تجعل الموظف الياباني يستيقظ كل صباح ليؤدي عمله على أكمل وجه، وبأفضل جودة ممكنة، مما يجعلهم وبلادهم في المقدمة على الدوام؟

يكمن السر في إيمانهم العميق بمبدأ التحسين المستمر “كايزن”.

وكانت البداية من نهاية الحرب على اليابان بعد أن تم إلقاء القنبلة الذرية عليها، فما كان منهم من أجل النهوض مما هم فيه من هلاك مدقع إلا شحذ الهمم وتغيير المفاهيم وصياغتها من جديد، وتسخير الطاقات الكامنة من أجل بناء مستقبل أفضل لبلادهم.

فما هي “كايزن” إذاً؟

كايزن (هي كلمة يابانية مركبة من جزئين “كاي” و تعني غير أو التغيير و “زن” وهي تعني الأفضل أو الأحسن أو الخير). وهي طريقة و فلسفة إبتكرها” تاييشي أوهونو” لقيادة المؤسسات الصناعية والمؤسسات المالية، بل و لتطبيقها في كل نواحي الحياة ، معتمدة على التحليل و العملية . و في ميدان الأعمال أو الصناعات .في العادة تشير كلمة “كايزن” إلى النشاطات التي تؤدي باستمرار إلى تحسين جميع مناحي العمل ، كالصناعة و التسيير الإداري .محسنة النشاطات الموحدة و طرق العمل. وقد نُفذت نظرية “كايزن” في عدة ميادين خلال إعادة إصلاح اليابان بعد الحرب العالمية الثانية و منذ ذلك الحين انتشرت في ميادين الأعمال في كل انحاء العالم . ٢

بل لقد دخلت تلك الطريقة والفلسفة في كل مناحي الحياة اليابانية، ليصبح الإبداع والتنظيم جزءً أساسياً في التربية والتعليم والتطبيق لديهم. وبعبارة أخرى أن يكون الفرد في مرحلة تحسين و تطوير دائم سواءً أكان هذا التحسين في نفسه ، عبادته ، عمله … الخ.

وقد أبهر البروفسور المحاضر كل من حضر وكادت العيون تخرج من مآقيها عندما عرض عليهم تسجيلاً مصوراً لحركة النظام في إحدى محطات القطار بطوكيو العاصمة، حيث ينزل الركاب من قطار يبلغ ٤٠٠ متر وتقوم مجموعة من ربات البيوت بلباس زهري جميل بتنظيف القاطرات كلها، وبعدها يقوم الركاب بالدخول لتلك القاطرات بانتظام ودون ازدحام أو تدافع في نصف ساعة!

ليس ذلك هو الوقت، وإنما في ٧ دقائق فقط

المجتمع المنظّم يُنتج، لأن هناك احتراماً للوقت وتوظيفاً ذكياً للطاقات، وتحسيناً مستمراً لكل حدث وعمل، وتلك إحدى مقوّمات فلسفة “كايزن”، والتي أصبحت ثقافة تتبنّاها أكبر الشركات العالمية المصنّعة للسيارات في اليابان وهي شركة “تويوتا”

ذلك المبدأ المعتمد على الانفتاح للتغيير والتطوير ولو بصورة بسيطة، لكن يجب أن تكون مستمرة، هو الذي جعل المعرفة لدى المجتمع الياباني تراكمياً، وبالتالي تم توظيف ذلك القبول ليكون أداة للتغيير نحو الأفضل، ولتكون نقطة التركيز هي السعي الحثيث لتحسين عمليات الأداء المختلفة.

ففي المصانع والشركات تكون روح “كايزن” حاضرة من خلال التحسينات المستمرة لعملية التصنيع والإنتاج، فضلاً عن بقية الأعمال التجارية الأخرى، ويعني هذا المبدأ بإدخال التحسينات الصغيرة والبسيطة على الخدمات والمنتجات وبشكل دائم، وبهذا لن يستطيع أحد ما اللحاق بك. وهذا المبدأ تعمل به مؤسسة (سوني) اليابانية. فحين سأل مديرها عن جدوى طرح منتجات جديدة بينما القديمة لم تباع فرد قائلاً: إن لم أبتكر وأبدع فسأصبح تابعاً، وأنا أريد أن أكون قائداً لا تابعاً.

ولا يكون ذلك إلا من خلال جرأة في التغيير عبر حذف وشطب كل ما يعيق الإبداع، من نظم وقوانين وقواعد، ومن تغيير لعقلية المشرفين والمديرين أو تغييرهم أنفسهم.

ولا يقتصر الأمر بين جدران المصانع والمؤسسات، بل انتقلت تلك الفلسفة في التفكير والتطبيق إلى المجتمع الياباني في مناحي حياته المختلفة، لتستمر عجلة التطوير والتحسين بصورة لا تتوقف، فتلاحظ وجود آلة في إحدى مداخل قرية يابانية تقدّم لك البيض الطازج، والذي يضعه مزارعو القرية كل صباح في تلك الآلة. بل حتى في أصغر الأشياء التي نستعملها في المنزل يمكن أن تكون روح “كايزن” حاضرة فيها، من قبيل أداة قتل الذباب اليدوية، حيث تم تحسينها ليكون في طرف المقبض ملقطاً يمكن سحبه لالتقاط الذباب ووضعه في القمامة!وما بين خط التصنيع والمولدات الضخمة إلى قاتلة الذباب تسري “كايزن” في كل تفاصيل الحياة اليابانية، لتكون أنموذجاً لروح تغيير آمن بها المجتمع، وما زال يعمل بها في كل مناحي حياته، وهو سر تقدمه وتطوره، الذي سبق الأمم الأخرى التي لم تتعرّض كما تعرّض له من دمار شامل ونسف عنيف لوجه الحياة من أمامهم، ليحولّوا تلك الكارثة إلى فرصة لوضع مفاهيم جديدة للحياة وتطويرها وتحسينها، وما زال الجيل الياباني الجديد يعيش فلسفة التطوير المستمر والبسيط ليأخذ تراكم المعرفة السابق، ليضيف إليها معرفته ليسلمها لمن يأتي بعده، وهكذا

وقد توالى البروفسور “فوجيتا” بتقديم المثال تلو المثال بعد أن استعرض مبادئ “كايزن” كلاً على حده، لنكتشف تلك القدرة الكبيرة في مجتمع يحترم الوقت ويسعى للتغيير الإيجابي المستمر، والذي يتأصل في كل من الشركات الكبرى والصغيرة على حد سواء، لتنتقل إلى كل مناحي الحياة عند اليابانيين.

لم يك الكلام نظرياً، بل معاشاً واقعاً ملموساً هناك في كوكبهم الخاص، كوكب اليابانيين الذي نبتعد عنه بآلاف الأميال من التفكير والجرأة والرغبة في التغيير.

إن لديهم “الرغبة” في التغيير،وانعكس ذلك في طريقة تفكيرهم ونمط حياتهم وأسلوب تعاملهم في العمل. ولا أدري بعد تلك الساعات الثمان السِمان إن كان أحداً من الحضور وأنا منهم قد شغفه حباً لتلك الفلسفة وبدأ يطبقها في حياته قبل محل عمله؟

فالتغيير يبدأ من الداخل وينتشر في المحيط، والتغيير يبدأ من الهرم ليصل إلى القاعدة، وبين الداخل والهرم تلك المسافة المطلوب قطعها للبدء في التغيير الفعلي في المؤسسات والشركات، فضلاً عن الحياة اليومية التي تبتعد عن الاستهلاك والاجترار نتيجة ثقافة “الاستهلاك”.

ما يلزمنا هو تطبيق تلك الخلطة السرية بعد معرفتنا لها، والتي أصبحت مشاعاً في كل العالم، والبدء بالطبخ الفعلي الممارس عملياً في بيوتنا، ومحل عملنا وشوارعنا، وفي كل جنبة من حياتنا.

ولنعرف أن تلك الخلطة السرية كانت منذ البداية على أحد رفوف مطابخنا البيتية “إنّ الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يُتقنه”.

The five main elements of kaizen

* Teamwork

* Personal discipline

* Improved morale

* Quality circles

Suggestions for improvement

Major results

* Elimination of waste (muda) and incorporation of efficiency

* The kaizen five - S framework for a well organized shop floor

o Seiri - tidiness

o Seiton - orderliness

o Seiso - cleanliness

o Seiketsu - standardization

o Shitsuke - discipline

ملاحظة:

يمكن تحميل بعض ما جاء في ورشة العمل للبروفسور الياباني “فوجيتا” عبر الوصلة التالية

http://contents.wls.jp/contents/open/ocw/kaizenmgt/index.html

1.Tamkeen.bh

2.Wikipedia

* مختص في ثقافة الصورة والاقتصاد المعرفي