عشق الهوية.. كيف ولماذا؟




نستعرض في هذه الحلقة أحد أهم الكتب التي تتناول بعمق سيكلوجي وعملي العلاقة التي تتكون بين الفرد "المستهلك" والمنتج أو الخذمة "الهوية التجارية"، لتتعدى مرحلة الخيار إلى أن تكون جزء من قرار الفرد وشخصيته وسلوكه، تفاعلاً مع الهوية وإنجذاباً لها.

الكتاب هو
The future beyond brands, LOVEMARKS

لمؤلفه

Kevin Roberts،



وهو المدير التنفيذي لشركة

Saatchi & Saatchi

العالمية

«محمد رسول الله»... فيلم يفيضُ رحمة بإبهار بصري آسِر



الوسط، ٥ سبتمبر ٢٠١٥..

المنامة - جعفر حمزة

من «آلام السيد المسيح» لميل غيبسون، الذي لم أستطع إكماله لثلاث مرات بسبب كمية الألم الذي يدفعك للتفاعللاشعورياً وتبكي متأثراً بما حلَّ على نبي عظيم كالسيد المسيح، لم أجد شخصياً ما يمكن وصفه بدقة بأنه فيلم يُدخلك بعمق في حياة العظماء من الأنبياء وتجد نفسك فعلاً قد عشتَ بعضاً من جوانب حياتهم كمثل هذا الفيلم «التُحفة» للمخرج الإيراني المبدع مَجِيد مجيدي.

فيلم «محمد رسول الله» يسلط الضوء على جوانب من سيرة الرسول الأعظم «ص» عند ولادته وفي مرحلة طفولته. وهذه الزاوية قليل ممن فتح أعين الناس عبر الفن السابع عليها، بل أجزم بالقول إنه لا أحد فعلها قبل مَجِيد مجيدي في هذا الفيلم.

يتناول الفيلم من خلال خط زمني جميل أحداث محورية في عصر ما قبل الإسلام وولادة النبي الكريم عبر تركيبة بصرية عجيبة أبدع المخرج فيها حد الكمال ليضع

المشاهد في قلب الحدث زمناً ومكاناً ومشاعراً ومؤامرات وآمالاً، عبر توليفة إخراجية دقيقة جداً لا يرفّ لك جفن عند مشاهدتك لها.

رسالة الفيلم

محمد، رحمة للعالمين. تجسَّدت في اللوحات الفنية عند ولادة هذا النبي العظيم، فتشرأب أعناق البشرية لمعرفته وربط المستضعفين في العالم به. طفولته المباركة انعكاس الرحمة الإلهية فيه، فتجده يعطف على الفقير ويمد يد العون للضعفاء والعبيد، وما تحلّ قدمه المباركة في مكان إلا وتخضر الأرض ويعمّ الخير.

يأخذك الفيلم عبر أحداث متتالية مع النبي العظيم، منذ ولادته، والبركات النازلة معه إلى وقت حضانته عند حليمة السعدية واشتداد عوده عندها، وأينما كان في حلِّه وترحاله تجد من بين يديه الرحمة وفتح أعين الناس لمصدر هذا الوجود وهو الله الواحد الأحد. الفيلم يفيض رحمة في معظم مشاهده، ولا تملك إلا البكاء تفاعلاً معه.

قاب قوسين أو أدنى

الأفلام الدينية التي تتناول سيرة الأنبياء والمتربع على ذلك طبعاً أميركا، لا تجد منها ما يقربك للنبي الإنسان، بقدر ما تجده النبي المُعجِز على أفضل تقدير طبعاً، وتلك إشكالية لم تستطع هوليوود حلّ عقدتها، وذلك لأن المعتقد الفكري والديني عند صانعي الأفلام الدينية في أميركا لهم نظرتهم القاصرة حول الأنبياء نتيجة المعتقد الموروث لديهم عنهم، ويكفي للمتتبع إدراك ما نرمي له.

في «محمد رسول الله» تتفاعل مع المواقف وكأنك تعيشها، وذلك لأن الفيلم يعرض مشاعر المقربين من النبي بصورة دقيقة ومبدعة، بل يقارب أكثر ليقدم مشاعر النبي الصبي نفسه في بعض المواقف، فلا تملك من نفسك إلا ذرف الدموع طواعية.

الأمومة الحميمة جداً من أم النبي وعلاقتها به وارتباطها العميق بالنبي، كحال أم موسى عندما قذفته في اليم، وذوبان حليمة السعدية في حب النبي كحب مريم لعيسى المسيح، وعشق جده عبدالمطلب ويكأنه عشق يعقوب ليوسف، وملازمة أبي طالب والدفاع عنه كأنه ظله الذي لا ينفك عنه.


مشاهد تأخذ الأبصار

من بينها مشهد الطيور الأبابيل على جنود إبرهة، واللوحة الجميلة التي صنعتها فوق الكعبة وعلى عبدالمطلب قبل هجومها الناري على إبرهة وجنوده، وقد رسمت لوحة تفاعلية بالغة الدقة في صب العذاب في صورة ذكرتني إخراجياً بجو فيلم 300 بشكل أو بآخر. ومشهد هيجان البحر ورميه للأسماك على قوم كانوا يعبدون الأصنام ويقدمون لها قرابين بشرية لترزقهم. فكان حضور النبي بمروره عليهم رحمة فيّاضة، في مشهد يمثل تحفة فنية بالغة الجمال في الرسالة والتنفيذ والتأثير والتفاعل.

على الهامش

لم يغفل الفيلم، رغم تركيزه على رسالة الرحمة وتمثّلها في كل مشهد من الفيلم، الطرح الفكري السياسي الديني العميق في زمن ولادة النبي الكريم وطفولته، خصوصاً الدور الذي كان يلعبه بنو أمية في الجاهلية قبال مواقف بني هاشم، بالإضافة إلى النشاط اليهودي الحميم ضد وجود النبي، فترى أكثر من محاولة لهم لقتل النبي أو اختطافه، وهناك حوارات عديدة يطرحها الفيلم لليهود وخشيتهم من النبي ووجوده.

بعض الحوارات تم استخدام اللغة الأصلية لها، كمثل العبرية في حوار علماء اليهود. والحبشية في لقاء إبرهة مع عبدالمطلب. وهذا يعطي قيمة مضافة للفيلم في دقته وحرفيته.

الإحكام الدقيق جداً في تفاصيل المكان والملابس والمكياج. تفاصيل يمكنك التوقف عند كل مشهد لتتأمل براعة إخراج المكان وتكوينه.

من المشاهد الملفتة، هروب جمل زوج حليمة السعدية عندما أراد بيعه لِعَوَزٍ أصابه، فترى عفوية هروب الجمل مع الدقة الشديدة في التقاط حركاته داخل السوق والجَلَبَة التي أحدثها فيه، حتى يصل لبيت آمنة بنت وهب، ويجلس في باحة البيت يشاهد مهد النبي بسكينة. وكانت تلك بداية تعرّف حليمة السعدية على النبي الكريم بحسب رواية الفيلم.

الموسيقى التصويرية، رائعة وسميفونية قائمة بذاتها، وللعلم فإن المنشد العالمي سامي يوسف هو من أدى الأناشيد في الفيلم.

اللقطات بالكاميرا تُشعرك بوجود يد وعين لخبير وقدير في إيصال عمق الموقف للمشاهد، فلا عجب عندما نعلم أنه تم استخدام طريقة تصوير بكاميرا ثابتة للمصور السينمائي الإيطالي «فيتوريو ستورارو» الحائز على جائزة أوسكار لعرض آراء الرسول.

ختم المخرج الفيلم بلوحة مُلهمة ويكفي أن تكون رسالة لذاتها لكل العالم باختلاف الدين والجنس واللغة، مشهد وضع الأيدي في الماء لمصافحة الرسول الأعظم، فتمتد الأيدي من رجل وامرأة وأبيض وأسود، ليُختتم المشهد بوضع يد الرسول الكريم في الماء في رسالة ولا أجمل عن الرحمة وقبول الآخر.

يُتم لابد أن ينتهي

يقول مخرج الفيلم مَجِيد مجيدي «قررت إنتاج الفيلم للتصدي للموجة الجديدة من الخوف من الإسلام في الغرب. التفسير الغربي للإسلام ملئ بالعنف والإرهاب.»

وقد نجح بإبهار مُلفت في تحقيق رسالته من الفيلم، إذ يفيض رحمة وجمالاً وأمور ثلاثة لابد من أن يصيبك أحدها، قشعريرة رهبة بعض المواقف في الفيلم، ودمعة لا إرادية تعاطفاً إنسانياً مع النبي الكريم والمحبين له في الفيلم كآمنة وحليمة وعبدالمطلب، أو مقاومتك لرد طرفك عند مشاهدة مواقف يمكنني تشبيهها كلوحات الفنان الإيراني المعروف محمود فرشجيان المشهور بلوحاته الدقيقة جداً وذات العمق والتفاصيل حد النخاع.

يكفينا يُتماً أنه لا يوجد ما يوثق سيرة النبي العظيم بحرفية عالية تُجاري الجودة في صناعة الأفلام في هذا الزمن. ومن بعد فيلم «الرسالة»، كانت سنوات عِجاف جفاف حتى أرواها هذا الفيلم بملحمة بصرية من نوع مختلف، عنالنبي الإنسان، وعن النبي الرحمة للعالمين.

"إنتهى".


ملاحظة: تمت مشاهدة الفيلم في الأيام الأولى لعرضه في إيران، وكانت الدمعة رفيقة درب المشاهدين، والتصفيق تكليلٌ لجهد الفيلم في نهايته 

مُنتج رسالة في علبة.. كيف يكون الإبداع في المنتجات؟ “كوكا كولا نموذجاً”


ربما يتذكر معظمنا الحملة التي أطلقتها كوكا كولا مؤخراً، والتي جعلت عُلُبها المعدنية ساحة للأسماء عوضاً عن اسمها الذي ظل متربعاً لعقود، ضمن استراتيجية التقرب أكثر للجمهور، وليست هي بحركة مبتكرة. كون العديد من الماركات العالمية الأخرى قد حذت هذا المنحى وبأساليب مقاربة نوعاً ما.

لكننا نتحدث عن “أيقونة” Icon وهي أعلى بكثير من تناول “هوية تجارية Brand، فما عاد وجود الاسم كاملاً ضرورياً لهذه الماركة، إذ أصلّت “كوكا كولا” بذكاء واستراتيجية تسويق قوية جداً خلال ما يربو عن المائة سنة صورتها الذهنية عند الجمهور، وبأكثر من صيغة وقصة وأسلوب وحملة، حتى تحولت لأيقونة بامتياز.

بل قد بات نوع الخط المستخدم Font وتصميم الشريط في العلبة يكفيان للدلالة على هذه الهوية التجارية.
ولم تكتفِ كوكا كولا بكتابة الأسماء على علبها، وخصوصاً مع وجود نفس الفكرة لمنتجات أخرى مثل Nuttllla على سبيل المثال لا الحصر. بل قد ذهبت لأبعد من ذلك بكثير، إذ أطلقت حملة خاصة لشهر رمضان من خلال وكالة الإعلانات  FP7/DXB في دبي، وهي جزء من مجموعة  McCann العالمية، وتدور فكرة الحملة حول تصميم علب الكوكا كولا بدون اسم الهوية عليها، والإكتفاء بالشريط على العلبة، ومن الجهة المقابلة كُتبت هذه العبارة
 “ "Labels are for cans, not for people."

وهي حملة  تهدف إلى إيصال رسائل ضد التمييز العرقي أو تكوين الصور النمطية على العموم.




ويضيفون “ أن هناك ما يزيد عن ٢٠٠ جنسية في الشرق الأوسط، وبها الكثير من الصور النمطية المسبقة للناس فيها، وتحاول كوكا كولا إيصال رسالتها القوية من خلال علبها، بأن عالم بدون صور نمطية سلبية، هو عالم بلا فوارق”.

ولم تكتف الحملة بنزع الاسم من العلب، بل دعمت ذلك من خلال تجارب مصورة، عبرإحضار عدد من الأشخاص في غرفة مظلمة، دون أن يروا بعضهم لبعض،  ويتناقشون في مواضيع مختلفة، ويبدأ كل شخص بتكوين تصور حول من يتحدث معه.
 وبعدها تُضاء الأنوار، ليرى كل شخص الصورة الذهنية الموجودة عنده حول الآخر ويقارنها بصورته الحقيقية، وطبعاً الإنطباعات متباينة في مثل هذه التجربة، ويتم اختتام التجربة بإن يتلقى كل شخص صندوقاً به علبة لا يوجد عليها اسم هوية، فقط شريط الكوكا كولا، مع العبارة التي ذكرناها من قبل.
ويمكن مشاهدة الفيديو المتعلق بهذه الحملة في اليوتيوب تحت عنوان “شوف الناس بقلبك


وبرغم جمال الرسالة ونبلها، إلا أن هناك ملاحظات احترافية قد يسردها البعض، وقد نتفق أو نختلف معها، وهي أن حتى لو أُزيل اسم كوكا كولا من العلبة فإن علامتها بارزة وتدل عليها، وهي الشريط، يعني في الواقع، لم يتم إخفاء اسم المنتج، ما دام اللون والشكل والشريط وحتى استخدام نوع الخط لكتابة العبارة، كلها تدل على هوية كوكا كولا بلا شك، وهذا لا يتماشى مع عنوان الحملة أو طريقتها. ففي الأصل هناك توصيف مسبق للعلبة من خلال الشكل العام واللون، وهي بلا شك علبة كوكا كولا لا غير!

وبرغم وجود هذه الملاحظات ومحدودية الحملة التي لم تتعد حدود إمارة دبي، تبقى الرسالة جميلة وذات هدف نبيل وذكي أيضاً من وكالة الإعلان في تقديم الحملة، في ظل الصور النمطية السلبية المنتشرة التي باتت متربعة في كثير من المجتمعات  في هذا الوقت. 

أما نقطة أن عناصر العلبة كلها تدل على كوكا كولا حتى وإن غاب الاسم، فهذا أكبر دليل على قوة الهوية التجارية وحضورها البصري، والذي يكفي أن ترى شريطة أو شكل العلبة لتعلم أنها لكوكا كولا.

ما يُثير الإعجاب في مبادرات والأفكار التسويقية لكوكا كولا هي ملامستها للجانب الإنساني باستخدام منتجها أو جزء منه، بحيث تربط بين الهوية والرسالة بطريقة مبتكرة وجذابة.
مع أني لست من هواة أو معجبي شرب المياه الغازية، إلا أن هذه الماركة تفرض حضورها الإبداعي والفكري بطريقة ملفتة تدعو للتأمل والتحليل. 
ومن مبادراتها السابقة وأيضاً كانت في دبي،  hello happiness
والتي تستهدف الجاليات الآسيوية العاملة، بحيث وفرت لهم اتصال مجاني لأهاليهم مقابل كل غطاء لكوكا كولا.




وكذلك Friendly Twist 
بحيث تم تصميم علب الكوكا كولا بحيث لا يتم فتحها إلا من خلال استخدام غطاء علبة أخرى، والهدف هو تأصيل التواصل بين الناس ليفتح كل شخص علبة الآخر.


وأيضاً Happiness Truck
وهي عبارة عن شاحنة كوكا كولا، وبها زر وتخرج هدايا متنوعة بما فيها قناني الكوكا كولا للجمهور.



ويتعدى الأمر ليصل إلى قضايا دولية وبين الشعوب، كمثل مبادرتها في تواصل الشعبين الهندي والباكستاني، والذي كان شعباً واحداً من قبل، وذلك عبر نصب جهاز بث مباشر لكوكا كولا في العاصمتين الهندية والباكستانية.

Coca-Cola Small World Machines - Bringing India & Pakistan Together


وهناك الكثير أيضاً من المبادرات والأفكار الإبداعية التي تتسيدها هذه الماركة. 
الفكرة من كل هذا الاستعراض هو في معرفة تحويل المنتج إلى جزء من رسالة إيجابية تكون بين الناس، بدل أن يكون مُنتجاً مُستهلكاً لا سواه.
وإذا كانت لكوكا كولا القدرة على تحويل منتجها “الغازي” إلى أكثر من مجرد علبة معدنية أو بلاستيكية، لتُحدث أثراً جميلاً في تفاعل الناس بينهم وبين الهوية مباشرة أو بينهم وبين بعضهم البعض.

فإننا نؤمن بأن الكثير من الهويات العربية، سواء في مجال الأغذية أو البنوك أو غيرها من القطاعات لها القابلية في الإمتداد التفاعلي مع الجمهور، أكثر من المساحة الكلاسيكية الرتيبة الموجودة الآن في أغلب الهويات بين يدينا.

والأمثلة العديدة التي تضربها كوكا كولا في مبادراتها وأفكارها جديرة بالتأمل، والاستفادة منها. ونحن نتحدث عن منتج استهلاكي منتشر Mass product، للعامة من الناس، صغير وكبير رجل وامرأة، وبرغم هذا الشريحة الكبيرة جداً من الفئة المستهدفة للمنتج، فقد استفادت كوكا كولا من هذه النقطة في نشر قيم إيجابية من خلال منتجها وبطرق ذكية متنوعة.
ويمكن تلخيص النقاط المهمة من تجارب كوكا كولا المتنوعة في التالي:
  1. ليس بالضرورة أن تكون هويتك تمتلك منتجاً أو خدمة ذو مردود مرتفع لتبدأ بالتفكير الجاد في خلق رسائل إبداعية لتعزيز حضور هويتك في السوق وبين الناس.  إذ يمكن صنع الرسالة من خلال ما لديك وضبطها بما يتناسب المحيط والفئة المستهدفة عندك، ويمكن عمل ذلك بما يتناسب مع إمكانياتك، وإن كانت بسيطة ومتواضعة، فالأمر بحاجة للنظر بتأمل لهويتك وما يمكن أن تقدمه من رسائل إيجابية، تكون بمثابة “فسحة أمل” للناس، ومساحة جميلة يمكنهم النظر لها من خلال منتجك أو خدمتك. لتتحوّل هويتك إلى جزء من شيء جميل لهم.
2. إن التفكير الاستراتيجي المدروس للهوية، يحوّل حضورها إلى أيقونة Icon، وطبعاً الأمر ليس باليسير، لكنه يستحق الإقدام عليه والتخطيط له، فمن يفكر في تحويل هويته لأيقونة، فهو يتعدى بمراحل تفكير منافسيه مهما كبروا، إذ أن نمط التفكير لديه سيكون استراتيجياً بعيد المدى، وستكون له قدرة تفكير أكبر من الأسلوب التقليدي في السوق، وبالتالي تكون زواية النظر للأمور عند من يفكر استراتيجياً متقدمة وعميقة مقارنة بمنافسيه.

3. فهم الناس عن قرب لمعرفة احتياجاتهم، مشاكلهم، أحلامهم، تطلعاتهم، ما يناسبهم وما يضايقهم، إذ أن وجود حل إبداعي وإن كان بسيطاً يمكن أن يرسم ابتسامة أو يقلل من أعباء أمور تثقل كاهلهم، أو حتى تخفف من تعبهم أو تقدم لهم طريقاً مختصراً لقضاء أمر ما، كل ذلك له أثره ويولّد حالة “إمتنان” من قبلهم تجاه هذا المنتج أو الخدمة، فتتولّد عندها العلاقة بين الهوية وبين الحل الإبداعي الذي تم تقديمه لهم من خلال الهوية التجارية الفلانية.

4. أهمية نشر هذه المبادرات عبر وسائل التواصل المنتشرة، والتي لا تكلف شيئاً. فبالتالي تكون مساحة نشر المبادرة أو الفكرة متاحاً والأبواب مفتوحة على مصراعيها لأجل ذلك. فالخيارات لا تنتهي في هذا المجال.

إن المنتجات يمكن أن تتحول إلى وسائط مبتكرة لإيصال رسائل إيجابية بين الناس، ويمكنها أن تُحدث أثراً، ولا تقتصر في دائرة “الاستهلاك”فقط، بل تتعداها إلى دائرة أكبر، يمكنها أن تنشر الرسائل الإيجابية والقيم أيضاً.

العتبات الثلاث .. "الشخصنة"، من الاستهلاك إلى الإنتاج..



ما زلتُ أذكر الطبق الذي لا يمكنني أن أخطأ من أي بيتٍ أتى حين تتبادل الأطباق في شهر رمضان المبارك، وهي حركة تدوير للكرم والتواصل بين أفراد الحي الواحد.
فلكل طبق "وسم"بكتابة اسم "أم حسين" و"بيت حاج ابراهيم" أسفله!!
ولم تتغير "المُلكية" للأشياء وتعريف أصحابها بها الآن عن ذي قبل، فالمفهوم والهدف بيِّن،
إلا أنه اتخذ "طعماً" مختلفاً في الوقت الراهن واتخذته الهويات التجارية سبيلاً لكسب الود وتعزيز العلاقة مع الجمهور.

فباتت حركة "شخصنة" المنتجات إحدى أهم وسائل توطيد العلاقة بين الفرد والهوية التجارية.
وقد انتهجت كثير من الهويات التجارية هذا المنحى بوضع الأسماء على منتجاتها، لتعطي طابعاً شخصياً متفرداً لصورتها في ذهن الزبون.
ومن تلك الهويات على سبيل المثال لا الحصر:
Coca Cola
Korn Flakes
Nutella
Nike
وغيرها الكثير..
فقد تعدَّت هذه الهويات عتبة الجودة بفرض هيبتها وحضورها في السوق ولتكون خياراً مفضلاً لدى الزبون، لترد الإحسان بالإحسان كما يقولون، عبر شخصنة منتجاتها بوضع أسماء عليها، لترتقي إلى عتبة الولاء، وهي درجة متقدمة في العلاقة بين الماركة والفرد


سيكلوجية الخصوصية ووسم مقتنيات الفرد بإسمه قديمة قدم التاريخ، لكونه "صانعها" أو "شاريها"، وما زال الأمر على ما هو عليه، لكن بطعم جديد تقدمه ماركات لها وزنها وسمعتها ومكانتها في عقول الناس كما في قلوبهم.

وهناك عتبة ثالثة وهي أقل انتشاراً وممارسة، عندما "يصنع" الفرد منتجه الخاص به، ويُوسمه له. ومع توافر آلات التصنيع كالطابعة ثلاثية الأبعاد 3D Printer التي تتيح للفرد صناعة منتجه، بات الأمر قاب قوسين أو أدنى في الوسم، اسماً وفكرة وتنفيذاً. لم يعد الأمر كما تصورنا من صنع قوالب جاهزة ومكررة بحيث يكون الفرد عبارة عن "رقم" مستهلك لا غير، ضمن نطاق "العولمة" السالبة.
فقد باتت العتبة الثانية مُجددة للعلاقة ومعززة لسلوك استهلاكي قائم.
ولئن اعتبر البعض أن الأمر برمته هو مجرد إعادة لتعليب المنتجات لضمان استمرار الاستهلاك، فلا أقلها بأن هناك مساحة إبداع واقتراب قد تدفع البعض للصعود إلى العتبة الثالثة. عتبة التصنيع والابتكار الفردي.
ولا يكون الأمر بوسم المنتج المتوافر في السوق فقط كما هو الحال في أمثلة الماركات التي ذكرناها من قبل.
بل تكون هناك منتجات لأفراد أو شركات صغيرة تقوم بالتصنيع والوسم بما يعكس هويتها وهدفيتها بكل حرية.

لكل أمر ثلاث عتبات، اقتناء أو وسم الموجود بشخصك أو تصنيع الأمر كما تود.
وقد يأتي يوم تقوم فيه الأمهات بصنع "الأطباق" لشهر رمضان خاصة عبر


3D Printer

بالشكل واللون والحجم كما يرغبن، مع ذكر أسمائهن عليها، ولكل عائلة وسم وشعار.. من يدري؟



جعفر حمزة
المدير الإبداعي لشركة 

BOXOBIA