أو بيع الدكاكين Brand Story


جعفر حمزة
BOXOBIA
...
رتم التسارع في تطوير الكاميرات جعل المنافسة محتدمة وواسعة وأصبحت مساحات الإبداع هو الحصان الرابح للشركات الصانعة لترضي طموح المصورين المحترفين منهم والهواة على حد سواء.
وفي عالم التقنية هناك الكثير ممن يكون له سبق الإبداع والابتكار، لكن ليس بالضرورة أن يكون متقناً لفن كسب الجمهور وتكوين قاعدته، فبالتالي ليست المعادلة خطية وحتمية.
يذكر السيد Simon Sinek في كتابه Start with Why، بأن هناك من سبق شركة Apple في عدد من الأمور التقنية وتقدم فيها، إلا أن الأخيرة أتقنت فن التسويق وعرفت كيف تسرد “حكايتها”، وبالتالي حجزت مساحتها وربطت اسمها بشكل آلي متقن بين الرسالة والتقنية.
وبالعودة إلى الكاميرات، تمثل GoPro واحدة من أجمل الأمثلة العملية في تقديم حكاية الهوية Brand Story، إذ لم يكن الأمر بالنسبة للمؤسس Nicholad Woodman مجرد منتج تقني بحت، يُرفق معه كتيب ارشادات وتعمّق في سرد مواصفاتها وميزاتها، وإن كان ذلك مهماً طبعاً، إلا أنها كانت في الصف الثاني للهوية، أما الصف الأول فكانت هي حكاية هذا المنتج وما يعنيه من مشاركة للمغامرات واللحظات الجميلة مع الآخرين.
عملت شركات منافسة ل GoPro على تقديم ميزات المنتج على قصته وتجربته، إلا أنها لم تستمر وبقيت في الظل، في حين تقدمت GoPro على المنصة وبقيت، وما زالت.
ما تقدمه GoPro هي دعوة لسرد حكايتك عبرها من خلال دمج مفهومين عميقين جداً، وهما:
أولاً: تجربة المستخدم User Experiance UX من خلال استخدام كاميرا GoPro أينما كنت لتوثق تلك اللحظات وتشارك بها الآخرين
ثانياً: تلك المشاركة هي التي تصيغ حكاية البراند Brand Story وهو رأس مال تسويقي بامتياز، كمخزون متدفق من المحتوى وهو أُس استمرار التسويق وتجدده.
ما عملت عليه
GoPro
هو تمكين الناس بمشاركة تجاربهم مع الآخرين والشعور بانتماء لمجتمع أوسع يتسم بالمغامرة، وهنا بيت القصيد في القدرة على سرد حكاية الهوية Brand Story.


تساعد GoPro في التقاط تلك اللحظات الخاصة ومشاركتها مع الآخرين. كقضاء وقت مغامرتك بتسلق الجبال أو الدخول في غابات أو قطع الصحراء أو ممارسة رياضة أو غيرها من تلك اللحظات التي تريد أن تركز في الذاكرة بشكل استثنائي.
www.gopro.com
يمثل
Brand Story
رأس المال المتجدد في تقديم تجربة العميل عبر المنتج/الخدمة للجمهور، بدمج المشاعر والأحاسيس وربطها برسالة البراند. وهذا بخلاف الطرق التقليدية في التسويق والإعلان، ويجب أن تكون الحكاية ملهمة لتفاعل المشاعر وصانعة لتجربة مميزة من الجمهور للبراند.
فالبشر بطبيعتهم يحبون القصص، ونحن من نصنعها، ونتشاركها منذ بدء الخليقة. ليس هناك ما هو أقوى من قصة جيدة. فالقصص لها القدرة على نقلنا لعوالم مختلفة، وتساعدنا في شرح أفكارنا ومشاعرنا بشكل مبسط وتفاعلي، وتهب لنا سبيلاً للتواصل العاطفي مع الآخرين.
“لم يعد التسويق حول ما تنتج، بل حول ما تسرد من حكاية”.
Seth Godin
"Marketing is no longer about the stuff that you make but about the stories that you tell."
Seth Godin

إن ما نحتاجه هو “سرد الحكايا” لأنها تقدم ميزة التواصل العاطفي عوضاً عن الطريقة التقليدية بالبيع بذكر المزايا والمواصفات للمنتج أو الخدمة.
قوة سرد حكايا البراند، تربطنا ببعضنا البعض وتضمن استمرارية تدفق الأفكار وثبات قيمة البراند.
نحن بحاجة للانتقال من أسلوب بيع “الدكاكين” بوضع المنتج على الرف وذكر ما فيه إلى أسلوب بيع “البراند” لابتكار قصص منه وفيه.

وشتان بين الإثنين.

بين الفردانية المنتجة وعقلية المنصات التفاعلية.






هل غابت سيطرة "الأخ الأكبر" حقاً في عالم صناعة القناعات اليوم؟
هل افتقدت المركزية الإعلامية هيبتها بعد أن كان تحت يديها التلفزيون والصحافة والسينما وغيرها من وسائل الإعلام والتأثير؟

كل هذا التحول الذي نحسبه انتقالاً من المركزية إلى الفردية محسوباً من قبل أو هو ضمن تحول طبيعي مع تطور ونمو التكنلوجيا حيث نخاله تمركزاً نحو الفردية وهو غير ذلك؟!
باتت المنصات الاجتماعية مشاعاً وترجمة لتوجهات الأفراد ومتنفساً دون قيود، وافتقدت الحكومات كما أساطين الإعلام القدرة على التحكم بما يُقال من عدمه..
فأصبح الفرد قادراً على التعبير بمساحات تملأ الخافقين ضمن منصات "مجانية" مع تطبيقات أخرى مساندة لا تنتهي..
فهل كل هذا تعزيز للحرية الفردية أم توليف ذكي في تحويل ما نعتقده حرية فردية إلى إنشاء قاعدة ضخمة من "المشتركين" و"المترددين" و"المدمنين" الذين ينشدون "التعبير" و"التواصل"؟ وهم يشكلون "العُملة الجديدة" في سوق اليوم في تفاعلهم وسوادهم؟!
صناعة المحتوى بقدر ما يساهم الفرد فيه فهناك عوامل مؤثرة لا يمكن إغفالها من قبيل "المؤثرين" و"الترند" وتدوير المحتوى ضمن شبكة العلاقات المحيطة بالفرد، مما يشكل موجة للعقل الجمعي العام، وهو بطبيعته لا ينفك عن حركة السوق.

وبرغم توفر هذه المساحة للتعبير، إلا أن الاستفادة من ذلك للتشبيك المعرفي والابتكار في المحتوى -في العالم العربي- بات ساكناً في الهامش أكثر منه في متن كتاب حياتنا اليومية.
فليس هناك شئ لا يمكن ابتكاره ونشره والمشاركة به مع الرقمنة التي باتت "أكسجيناً" لا يمكن التخلي عنه في عالم اليوم، وهو أمر بديهي مع تطور هذا الكائن العصري الجديد الذي نسميه "تواصلاً اجتماعياً"، والتعايش مع أدوات هذا الكائن واقع مطلوب وعقلائي، بل علينا توجيه الدفة فيه نحو ثلاث محطات:

1. صناعة المحتوى، لتوجيه الأفكار وصياغتها وتحويلها لسلوك وبالتالي تقديم ما يترجم ذلك من منتجات فكرية أو ملموسة. وبلغة أخرى تسويقية "كوّن الجمهور ثم اصنع المنتج."

2. ابتكار المنصات والتطبيقات، اعتماداً على سوقين كبيرين هما العربي والإسلامي، وضربت الصين مثالاً حياً على الاستقلالية في المنصات بابتكارها بما يناسبها ولسوقها وجمهورها كبديل عن الواتسب وهو WeChat

3. صناعة العقل الجمعي، بعد صناعة المحتوى وتكوين الجمهور وابتكار المنصات والتطبيقات تكون صناعة العقل الجمعي بتوجيهه إيجابياً للإنتاج والابتكار والترفيه أيضاً. مشاريع مبتكرة معتمدة على موجة التفاعل للجماهير الرقمية حول العالم، من قبيل kick starter وغيرها ومن عَلى شاكلتها، تثبت قيمة الفرد في التوجه والدعم والابتكار والاستثمار والإثراء المعرفي والمشاركة الإنتاجية من خلال crowdfunding.

نحن نعيش في زمن الاستغراق الاختياري في الاستهلاك والإنتاج على حد سواء.

والميل للاستهلاك أكثر جاذبية وإغراء، ففيه التنفيس والهروب وقلة الالتزام والتماشي مع التيار الاستهلاكي الذي تحول لسلوك اجتماعي لا ينفك في كل المجتمعات المعاصرة. بالرغم من القدرة على الدمج بين الاثنين ليتحول الفرد لمستهلك منتج Prosumer مع توفر تقنيات حديثة مثل 3D Printer وغيرها من المنتجات التي تمكّن الفرد من إنتاج ما يريد منزلياً وبيعه بالنت عالمياً.
ومع ذلك تبقى نسبة لا تغيب في المجتمعات المتقدمة ممن يوطّن نفسه على الابتكار والإنتاج مدعوماً بهيكلية متقنة حكومية وخاصة. لتشكيل إنتاج يعكس ثقافة وينشر مفهوم خاص به دون سواه. فمن يُنتج يُغَيِّر.

ومع ذلك، فالقدرة على الابتكار فطرية في أي مجتمع، ويبقى الرهان على تشكيل الأولويات والاهتمام بها وتنميتها من خلال ركوب الموجة الرقمية بذكاء والاستفادة من المعرفة المفتوحة والجمهور ومعرفة السوق وصياغة منتجات فكرية ورقمية جديدة تشمل قيمة مضافة لمجتمعاتنا العربية والإسلامية، لكي لا ندور في رحى الاجترار وننطلق لفضاء أرحب مع قصص نجاح متنوعة ومفاهيم ريادية مبتكرة يمكن الاعتماد عليها لصناعة محتوى لعقل جمعي منتج مؤثر.

نعتقد أن مرحلة استنساخ التجارب الغربية يجب أن تتحول لتربة خصبة لننتقل لمرحلة ذاتية الإنتاج بشكل أكبر. إذ ما زلنا في دائرة الطواف حول الأنموذج الغربي في مجال الابتكار والصناعة وتنمية الذات وغيرها، ولا عيب في ذلك، إلا أن الاستغراق فيه يسلبنا القدرة على الإنتاج الذاتي والابتكار فيه ويحولنا لردات فعل أكثر من صناعته، ومن لا يصنع الفعل يكون على الهامش دوماً.
سواء كان "الأخ الأكبر" وصياً مسيطراً بذكائه أو أن زمانه انتهى، فالرهان كل الرهان في المقدرة على الاستفادة الذكية من كل ما يحيط بِنَا لنبتكر وننتج ونؤثر. ما دامت المعرفة "مشاعاً" لم تعهد البشرية مثلها من قبل. فالحجة قد اكتملت .. والسلام.

رباعية التسويق في صناعة الترفيه ... كيف نؤسس جمهوراً متفاعلاً منتمياً للبراند؟




“من يصنع الترفيه، يمتلك دفّة التوجيه”
أخذت صناعة الترفيه الرقمية “والحديث هنا عن الألعاب الرقمية” مساحة مهولة من الاهتمام والوقت من فئة الأطفال واليافعين بالخصوص. تلك الجاذبية المُتقنة التي تشدك شداً تدعوك لفتح أبوابها والولوج في عالمها، لتصبح أحد مرتاديها أو عُشاقها، فتكون أنت “العُملة” الحقيقية لهذه اللعبة، فتفاعلك من متابعة ولعب وإشادة بها، يمثل رأس المال التسويقي الفعلي لها، لتنتشر كالنار في الهشيم، وتكون محط اهتمام واستخدام.

تلك المغناطيسية في الألعاب، من ثمار الفهم العميق للسلوك البشري، وتقديم “فسحة افتراضية” للتنفيس والشعور بالتحدي والمغامرة وتقديم لذة الإنجاز، فضلاً عن التنافسية، إلى صنع مجتمع مواز افتراضي، خصوصاً للألعاب الجماعية. وكانت هذه ديدن المجتمعات البشرية منذ القدم في صناعتها للترفيه، مع اختلاف وتطور أدواتها.. “صناعة المُتنفّس” عبر رياضة أو خرافة أو غيرها.

ومع زيادة عدد مستخدمي الهواتف الذكية في العالم، وسهولة تنزيل الألعاب من متاجر أبل وغيرها، أصبحت سوق الألعاب أكثر وفرة ووصلاً للجمهور، حيث يقع بين يدي المستخدم عشرات الآلاف من الخيارات ليرفّه عن نفسه متى شاء، ليُخال له أن القرار بين يديه مع هذا الكم المهول من الخيارات. 

تتخذ بعض الألعاب ما أسميه أسلوب النمو الأفقي فيها، بزيادة عدد الخيارات وتوسّع مجال المنافسة والتشويق عند المستخدم، حيث يمكنه اكتشاف مناطق جديدة، بل تكون له القدرة في صناعة بعضها بنفسه، مثال “لعبة Roblox” التي تمثل أكبر وأضخم منصة تفاعلية رقمية في هذا المجال، حيث تُعتبر بحسب الموقع الرسمي لها بأنها اللعبة رقم ١ للأطفال واليافعين. وقد أنشأ المستخدمون ما يزيد عن ١٥ مليون لعبة باستخدام الخيارات والأدوات التي توفرها هذه اللعبة لهم، حيث تُمكنك اللعبة من صناعة عالمك الخاص وقوانينك التي تود، لتتحول هذه اللعبة إلى مساحة تفاعلية ضخمة من المستخدمين حول العالم.

فضلاً عن الزاوية التعليمية المتعددة التي يذكرها الموقع الرسمي لهذه اللعبة https://corp.roblox.com/education/
والتي تتشابك بها الرياضيات والفيزياء مع البرمجة بشكل مُلفت وقوي.

وتتخذ لعبة Lego من نفس الاتجاه في توفير “عناصر التكوين والإبداع” لجمهورها، فتتسع قاعدتها دون توقف. ويمكن الاستفادة من تجربتي Lego و Roblox في المجال التسويقي من خلال النقاط التالية:
  1. فهم دقيق لسلوك المستخدم، عبر تقديم قوالب جاهزة يمكنه أن يرى إنجازاً يحققه أو مغامرة يخوضها أو تجربة جديدة يعيشها، وتمثل هذه الألعاب تحقيقا لتلك “الرغبات”. فضلاً عن فهم “ذائقة” الجمهور المستخدم، وما يتبع ذلك من تصميم لتجربة مستخدم مميزة UX User Experiance .  لذا فكّر في أي رغبة تود إشباعها لجمهورك؟ وأي قيمة يمكنك تقديمها بجدارة له؟                                                                                                                                       
  2. توفير مساحة التفاعل مع الجمهور إذ تعمل الألعاب في جعل المستخدم جزء منها في مستوى وصانعاً لها في مستوى آخر. ويمكن إسقاط ذلك على كثير من المشاريع من خلال توفير هاتين المساحتين، بالنسبة الممكنة حسب نوع المشروع والهوية المقدمة للجمهور.
فتوفير “مساحة تفاعلية” يقوم الجمهور فيها بعمل ما مرتبط بنفس البراند بشكل أو بآخر يكوّن علاقة خاصة بين الجمهور والبراند.
وعليك كصاحب مشروع أن تفكر بالسؤال التالي:
ما المساحة التي يمكنني تقديمها للجمهور للتفاعل مع البراند الخاص بي؟ وهنا لا أتحدث عن تقديم مسابقات أو عروض فقط، بل أن يكون الجمهور بطريقة ما جزء من البراند في تسويقه أو تكوينه أو في سير عملياته أو مشاهدته. 
ويمكن العروج بهدف الإلهام على تجربة kidzania كمثال جميل على نمط التفاعل المقدم فيها.

٣. التحديث المستمر، وصناعة “الشغف”، بحيث يكون التجديد بين وقت وآخر ديدن مشروعك، ولو بشكل بسيط، باستخدام أسلوب الكايزن في التطوير البسيط المستمر Continus improvement، فالرتابة هي عدو تطوير العمل، والتجديد هو ما يحفظ بريق البراند للجمهور في كل مرة.
ما تقوم به منصات الألعاب هذه، هي خاصية التجديد والتطوير الذي يمتد لأبعاد كبيرة. فالتحديث المستمر هو التشويق بعينه لاكتشاف الجديد وسبر مغامرة مختلفة، فيتم فتح باب ومن كل باب ألف باب، حتى تمتد الجاذبية لأبعد مدى. وهنا يكون اللعب على وتر “حب الاكتشاف” و”الغموض” الدافع للفضول، وكلها دوافع ذات طاقة هائلة يمكن ترجمتها لسلوك مكرر يشبه الإدمان، وهو ما نلاحظه في اليافعين والأطفال ممن يتابعون الألعاب وتحديثاتها، فيتم صناعة وعي جماعي ذكي تقوده قوة الكلمة Word of Mouth في مجتمع افتراضي وعُرف قوي لا يمكن الفكاك منه.

٤. الثقافة الترابطية بين المستخدمين، بحيث تكون هناك “لغة” تواصل مشتركة بين المستخدمين عند اللعب، ويأخذ ذلك مدى أوسع من اللعبة لتكون جزء من الكلام المحكي أو حتى السلوك المحكي، مثال رقصة Floss في لعبة Fortnite.
حيث أصبحت أيقونة لتلك اللعبة بطريقة أو بأخرى، حتى ألقت بظلالها بشكل أوسع، لتكون جزء من دعاية بيبسي للعيد الوطني السعودي. “قد تم حذفه كما يبدو، ويمكن مشاهدتها من خلال هذه التغريدة”

 
وتلك الرباعية الترفيهية تُسهم مع الوقت في زيادة رقعة التفاعل الكمية والكيفية إلى تكوين “مجتمع” له مصلطحاته، إشاراته، طقوسه، لغته، بل حتى رقصاته. وهذا الشعور بالإنتماء هو فيصل توجيه السلوك وصياغته، ولا مناص منه، إذ يعمل كالمغناطيس، فيشدك شداً إليه، ويجعلك تشعر برغبة الاستمرار فيه، لأنه يغذيك بتلك الجاذبية الفطرية الذي يميل الناس له، وهو “الشعور بالإنتماء” كما يذكره Simon Sinek في عدد من محاضراته حول تحليل سلوك الناس تجاه بعض البراندات دون غيرها.

فالجمهور يريد أكثر مما هو منطقي Audience want more than Logic كما ورد في كتاب Brand Gap للكاتب Marty Neumeier

فالتماشي مع الرغبات الفطرية الدافعة لتكوين السلوك واتخاذ المواقف، هي ما تقوم عليه أكثر الألعاب الرقمية شعبية، فضلاً عن التموضع الذكي الذي تقوم به كبرى البراندات في العالم، لكسب القلوب بامتدادات بصرية ونفسية، لأجل المحافظة على الجمهور الحالي والعمل على توسعة هذا “الإنتماء” كماً وكيفاً، وإشباع ذلك بالرباعية الترفيهية (الفهم/التوفير/التحديث/اللغة)

كيف نستلهم نقاط التميز في الألعاب التفاعلية لأجل تسويق أفضل للمشاريع؟

  1. الوقوف بشكل متأمل ودراسة بيئة السوق المستهدفة
  2. العمل على “الدوافع الفطرية” بشكل متأن يتسم بالنفس الطويل
  3. صناعة محتوى ملهم
  4. ابتكار طرق تفاعل باستخدام الوسائل والمنصات المتوافرة
  5. خارطة طريق للتسويق مرنة وقابلة للتطوير المستمر
  6. محطات إعادة شحن طاقة التفاعل بين الجمهور والبراند
  7. وضع العين دوماً أثناء العمل على رسالة المشروع/البراند.

 

كل ما يحجز مساحة من الإهتمام ويولد التفاعل المُفضي لتشكيل سلوك يتبعه شراء بشكل مباشر أو غير مباشر، يجب أن يكون موضع إهتمام للمعاينة والدراسة واتخاذ نقاط القوة منه موضع تأمل ودراسة. وما زالت الألعاب التفاعلية لها مكانتها في القلوب جيلاً بعد جيل، وحريٌّ الاستخدام الأمثل لنقاط قوتها في مجال البراند وتسويقه.. لمن تأمل..

الإتقان، عندما يكون “مقدساً” "مُنتجاً"!


جعفر حمزة - مؤسس BOXOBIA 

شدّني حديثه الذي تناول بعمق حول “الهدفية” الدافعة، التاركة للأثر والصانعة للتغيير، سواء للمؤسسات أو الأفراد، من خلال دائرة ذهبية، نواتها “لماذا”، وتليها “كيف” وعلى سطحها “ماذا”..

في حين أن معظمنا يستغرق في كيف وماذا، تاركاً لماذا مخفية، إما لجهل في ادراك أهميتها، أو لصعوبة في القدرة على تقديمها والعمل عليها، وبالتالي أصبحت هذه “لماذا” عصية إلا على الذين آمنوا بها وأدركوها وعملوا بها، فخلدت أسمائهم، وبقيت آثارهم، وتُليت قصصهم.
 السيد Simon Sinek وأيقونته المعروفة بالبحث عن لماذا، والتي طرحها في كتابيه Start with Why و Find your Why، فضلاً عن محاضرته المشهورة على منصة TED، ومجمل من لقاءاته ومحاضراته التي تدور حول فلك الـ”لماذا”، وكيف السبيل لها وأهميتها، وادراك آليات العمل بها.

الدائرة الذهبية حول "لماذا"


من أجمل الكتب التي يُنصح بقرائتها والعمل بها





ويتقاطع ما يتناوله Sinek عن مفهوم الدائرة الذهبية لأهميتها في ثقافة المؤسسات كما الأفراد، لادراك البعد الأعمق للتميز فضلاً عن البقاء، مع ما يذكره السيد  Guy Kawasaki، مؤلف كتاب The Art of Start والذي يبحث عن الدافعية بمعنى آخر يسميه البحث عن المعنى Make Meaning  وهو ما يراه بأن كبرى الشركات تدور حول هذا المفهوم.



وقد كان ستيف جوبز من أبرز الذين عملوا على كلا المفهومين “لماذا” و”المعنى” بشكل ملموس، وقد بينها في خطابه الأخير بجامعة Stanford، ووصمها “بوصل النقاط”، ولا يكون هناك وصل إن غابت رؤية أو اُفتقد إيمان.



ثلاثية “لماذا” و”المعنى” و”النقاط”!
مشتركات هذه الثلاثية بين “البحث عن لماذا” و “إيجاد المعنى” و”وصل النقاط” برغم اختلاف مسمياتها وتنوع في آلياتها، هي في وضوح الدافعية وكمية الطاقة اللازمة للاستمرار في العمل عليها مهما كانت الصعوبات وتكالبت. فكلما ارتفع “المعنى” واتضحت “لماذا” بات أمر “وصل النقاط ممكناً وواضحاً”.

تعتمد تلك الثلاثية على القدرة الذاتية للإيمان العميق بالهدف لدرجة “الجنون”، إذ يغيب في كثير منها مسألة “الواقعية” أو ما يحلو للبعض تسميته بالتفكير المنطقي وبحث الاحتمالات، لأن هؤلاء المؤمنون بهدفهم، تبقى عيونهم وقلوبهم متعلقة بما يصبون إليه من “ثوابت”، وما عدا ذلك تكون “متغيرات” لديهم، يمكنهم العبور فوقها أو من تحتها أو حتى الإلتفاف عليها.

ومن يطلع على قصص الذين أحدثوا أثراً في حياة البشر يرى ذلك بجلاء فيما آمنوا به وفعلوه حتى الرمق الأخير، ولم يغادروا هذه الدنيا إلا وقد تركوا أثرهم حتى يومنا هذا. فمن فاطمة الفهري أول مؤسسة لجامعة نظامية في العالم بالمغرب العربي، مروراً بتوماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي ووصولاً إلى آينشتاين صاحب النظرية النسبية وأخيراً وليس آخراً الأخوان رايت ونيسلون مانديلا ومارتن لوثر كنج وستيف جوبز، والقائمة طويلة. كل أولئك “آمنوا” بهدفهم وسعوا له حتى الرمق الأخير، لأنهم أدركوا أن حياتهم مرهونة بهذا الهدف لا سواه، فسخروا كل ما لديهم له، فظفروا بما أرادوا.

السيدة فاطمة الفهري، أول مؤسس لجامعة نظامية في العالم


دور المقدّس في التطور!
وعند النظر للثقافة الإسلامية المنتجة لعظماء ما زالت آثارهم باقية وخالدة إلى يومنا هذا، من قبيل الخوارزمي صاحب كتاب “الجبر  والمقابلة” ومؤسس الخوارزميات Logarithms التي تشكل الحمض النووي للحاسوب اليوم. وابن الهيثم مؤلف كتاب “المناظير” وتجاربه المبهرة في هذا المجال، وأول من نجح نقل صورة من الخارج إلى شاشة داخلية كما في الكاميرا المظلمة التي اشتقّ الغرب اسمها من الكلمة العربية: "قُمرة"، أي بمعنى “الغرفة المظلمة”، أي أنه مؤسس الكاميرا بفعله هذا.
وقِس على ذلك في علوم أخرى لا مجال لذكرها هنا.

وهذا يدفعنا للتأمل في “لماذا” و”معنى” و”وصل النقاط” عند العلماء المسلمين الأوائل، وما يمكن استنتاجه من الثقافة الإسلامية بهذا الخصوص، لندرك عمق ما لدينا، والتأمل فيها والعمل عليها، فهل هناك “مساحة فارغة” فعلاً تجعلنا لا نعيد النظر في تراثنا الإسلامي لندرك عمق “الدافعية” التي أنتجت لنا الخوارزمي وابن حيان وابن الهيثم والفهري وغيرهم؟

هناك آيات وأحاديث إن تمعنّا فيها، ستشكل خارطة طريق ملهمة إذا ما أردنا الحديث عن “المعنى” والـ”لماذا”، وهي على سبيل المثال لا الحصر:
“وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”.
هنا لا تكون الهدفية ذاتية نابعة من الشخص بتفكير أرضي وبمعزل عن مدد سماوي، بل هي أصله ومنبته وأساس تكوينه، فكل ما يقوم به الفرد المسلم، هو محل نظر الله أولاً، وبالتالي يكون أفق العمل ذو بعد أوسع وتتهاوى مع هذا الإيمان كل العقبات الأرضية مهما كانت، لأن الهدف مرتبط بشيء أكبر بكثير، ويرى الفرد المؤمن بذلك بأن كل عقبة هي اختبار له وعلى إثرها يكون له ثواب وأجر. فتكون كل عقبة “رصيد” له في الآخرة، وكل نجاح يحققه هو “توفيق” من الله له.

وهنا تغيب الأنا ويتعزز المفهوم الأكبر والهدف الأعظم المرتبط بعنوان قرآني واضح " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا”(سورة هود)، ليكون هذا العمران في الأرض بأخذ أسبابه والعمل به، بل أن ذلك أمر بديهي، كون وجودنا في الأرض يلزمه استعمارنا فيها، بأخذ الأسباب، بالتالي يكون عمران هذه الأرض الهدف الأكبر للفرد المسلم، مع وجود مُقيّم للأمر برمته، وهو أن كل عمل لهذا العمران يكون تحت نظر الله تعالى.

الخوارزمي، الأب المؤسس للحاسوب بفضل خوارزمياته



هنا نتحدث عن “لماذا” و”معنى” واسعتان تتسمان بالقدرة الكبيرة على الابتكار والصبر والإنتاج واتساع الفائدة، لتشمل كل الناس على هذه الأرض.

يذكر Kawasaki أساسيات صناعة المعنى في التالي:

١. زيادة الجودة في الحياة، وذلك بجعل الناس أكثر إنتاجية، وجعل حياتهم أكثر سهولة
٢. أن تكون جزء من حل وليس من مشكلة، فابحث عن حلول دوماً
٣. المحافظة على الأمور الجيدة ، مثال المحافظة على الحيتان.

هذه الأسس مما يعمر الأرض ويدفع الإنسان للابتكار وتهيئة الأرض لتكون أفضل مكان للعيش.

ومن جانب آخر يدعم هذا المعنى زخماً نبوياً من خلال أحاديث نبوية كريمة تدلل على أهمية العمل، واعتباره “عبادة”، وهنا بيت القصيد، حيث يتحول العمل في ذاته إلى مفهوم عبادي حقيقي، وهذه من ضمن الـ ”لماذا” الكبرى أيضاً، ومكملة لـ”فهم المعنى وتكوينه” بلا ريب.
”ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة"، وهذا من أجمل الأحاديث التي تزرع المعنى وتوسّع آفاقه، وتُأنسِن هدفيته بشكل إيجابي لا ريب فيه.

حيث يتحول العمل الذي يدر بالفائدة على الكائن الحي، وليس الإنسان فقط، إلى مفهوم عبادي بحت “الصدقة”، وهنا ضرب المثل بالزرع، ولا وقفية في المعنى هنا، بل الإطلاق في تعميم الفائدة والنفع هو المغزى والرسالة من الحديث، سواء كان في زرع أو ابتكار أو إنتاج معين تكون دائرة الفائدة تتعدى الاستخدام البشري إلى ما أكثر من ذلك. وهذا في حد ذاته مدعاة للتأمل والعمل بناء على هذا المفهوم الكوني العظيم في معنى العمل العبادي.

والملاحظ والمتابع لتاريخ النهضة الإسلامية سابقاً، يرى في كثير من الأدبيات والآثار، هذا المفهوم للاعتناء براحة الإنسان والاهتمام بالنبات والحيوان موجودة وبشكل ملفت للنظر والتأمل.



“الاتقان” و”حب الله”!
ولا يقتصر الأمر في المنظور الإسلامي بالحث على العمل فحسب، بل يتعمق بشكل رأسي فيه، ليطرح موضوع “الاتقان”.
فلئن كان تعميم الفائدة للناس والدواب والنبات عبادة، فإن الاتقان في العمل يحظى بدرجة أرقى، إذ أن الاتقان يستوجب “محبة الله”، ففي الحديث “إن الله يحب إذا عمل أحد منكم عملاً أن يُتقنه”. أي عظمة هذه التي تربط اتقان الفرد لعمله بمحبة الله له!

ونؤمن بأن الاتقان مجمع الحُب في الإسلام، فلا يُتقن من لا شغف له في عمله، فهو يحب عمله، ونتيجة ذلك الحب يستحصل محبة الله له التي تدفعه لحب أكبر للعمل والاتقان، وهكذا نكون في دائرة ذهبية من نوع آخر ولها امتداد سماوي عجيب. ففي المفاهيم المطروحة حالياً تعتمد على الدافعية الذاتية للفرد في مسألة الاتقان لأهداف أرضية بحتة، إنما في المنظور الإسلامي، فالدائرة تتسع ويكون لها بعد روحاني أكبر، تتعدى المقاسات الأرضية ، فيتحول الاتقان إلى سبب لحب الله للعبد.

حبك للعمل دافعك لاتقانه، والأخير يجلب حب الله لك، فتكون في حالة اتزان مثالية بين الرضى النفسي من باب Self Esteem وبين الرضى الروحاني ذو البعد العبادي Spirtual Satisfaction، وكلاهما يكملان الآخر ويدفعان بعضهما البعض لدوران لا ينتهي من حب العمل والاتقان فيه.

وهذه معادلة لا توجد في المفاهيم المطروحة حالياً، إذ تتسم بالكمال والتوازن المطلوب للإنسان.

طبعاً مصاديقها يمكن الرجوع لها للأوائل من علماء المسلمين الذين ضخوا المعرفة والابتكار في حقول متنوعة من العلوم الرياضية والعمران والزراعة والحيوان وغيرها الكثير.




العمارة الإسامية إحدى أبرز المصاديق الحية في الاتقان المتكامل والدقة المتناهية




ولئن افتقدنا مصاديق لها الآن، هذا لا يعني ضعفها، بل مدعاة للتفكر فيها بعمق، وتحويلها لمنهج حقيقي وعملي في حقل “التنمية الذاتية” و”إدارة الذات”، وما يتبعها ذلك من ابتكار آليات متنوعة للوصول لها.

فالاتقان يمثل قمة جبل الجليد الذي كونته الخبرة والشغف والتركيز والمعرفة. وهو أيضاً الشعلة التي تسري بقوة في كل خلايا الفنان أو الأديب أو المهندس أو العامل، فلا تهدأ حتى تظهر بنورها في العمل، وتبقى متوهجة تشع حرارتها دون توقف.

هذا الاتقان ليس له تاريخ انتهاء الصلاحية، بل له امتداد الأثر الذي يلهم على الدوام، فالإبداع إن لازمه الاتقان ثبُت، وامتد أثره وتوسّع إلهامه.

ونرى حديثاً آخر يدور أيضاً حول “محبة الله” في موضوع الاتقان أيضاً، إذ ورد “إن الله يحب العبد المحترف”. فلم هذه المحبة؟
لأن الشخص المتقن لعمله تعم فائدة عمله أبعاداً مختلفة، سواء للجهة أو الشخص المستفيد من هذا العمل المتقن، إذ يكون الاطمئنان بأن العمل المنجز متقن لا خلل فيه، وبالتالي تقليل نسبة التكاليف من عملية إصلاح أو استبدال، أي تقليل “المودا” Waste، الهدر. 

فضلاً عن أن الاتقان يضمن سير العمل بجودة أعلى إلى جانب كونه بذرة للابتكار والتطوير، وكل هذه المفاهيم تعزز الهدف الأعلى الذي ذكره القرآن، وهو استعمار الأرض وعمرانها.




مفهوم العلاقة الطردية للاتقان!
فلئن كانت مفاهيم “لماذا الكبرى” لـ Sinek و”صناعة المعنى” لـ Kawasaki  و”وصل النقاط” لـ Steve Jobs لها مكانتها وأهميتها وأثرها الجميل، فهي انعكاس لصورة أكمل يطرحها المنظور الإسلامي من القرآن والسنة النبوية من خلال ثنائية “الحب والعمران”، فدافع الفرد أن يعمر الأرض بحبه لعمله الموجب بشكل آلي لحب الله له،  فيكون قد جمع بين خطين، أحدهما أفقي ممتد لنشر الفائدة والخدمة لمن على الأرض “بشر، حيوان ونبات”، والآخر رأسي في علاقة مستمرة عنوانها حب الله. ويمكن تمثيل هذه العلاقة بشكل هندسي بسيط مجازي، ضمن علاقة طردية بين “اتقان العمل” و”حب الله”، فكلما زاد الاتقان كان أثره أكبر، وبالتالي ترجمة استعمار الأرض أكبر، والنتيجة حب الله أكبر.

هذه معادلة قلما نلتفت لها لنعمل على أساسها. وهنا مكمن عظيم لمفهوم العمل والاتقان الأرضي المرتبط بصلة سماوية، إذ يتحول العمل إلى عبادة والاتقان فيه موجب لمحبة الله!








عندها يكون الاتقان ليس مجرد أداة لرفع مستوى العمل في ذاته فحسب، بل تتسع دائرته لتصل إلى مفهوم مقدس أيضاً، فتقديس العمل كما هو حاصل في اليابان كمثال نتيجة مفاهيم اجتماعية، وقد وصل اليابانيون إلى مصاف المجتمعات المتقدمة، وعند النظر للمفهوم الإسلامي، فإن التقديس دافعه ديني وامتداده لا حدود لمساحته، فعندما يتحول العمل لعبادة والاتقان موجب لمحبة الله، عندها يتطور المجتمع وينمو وتعم فائدة الابتكار فيه لنفسه ولغيره من بقية المجتمعات.

وهذا هو المقدّس في ديننا والذي نحن بأمس الحاجة إليه، وافتقدناه لضياع المفاهيم بين ظهرانينا، ويمكن العودة له بتأصيله بشكل حقيقي ملموس، وانتخاب أفضل الأدوات للوصول له، عبر تعزيز ثقافة محبة العمل والاتقان فيه والسعي لاستخدام الأدوات الحديثة له كالـ"كايزن" لغاية الوصول للاتقان، بل وابتكار ما يُوصل لتلك النتيجة.

فعندما يكون العمل عبادة فتلك الـ”لماذا الكبرى”، وعندما يكون الاتقان موجباً لحب الله فذلك “صناعة المعنى”، وما بينهما يكون “وصل النقاط”.