ماركة «أثر» البحرينية تُطلق «البيع بالثقة»



تلمح «عربة» عليها أنواع مختلفة من الملابس ويشدك إليها تصاميمها وألوانها المتنوعة، فضلاً عمّا مكتوب عليها من قيم جميلة كالحب والسلام والكرامة والابتسامة وغيرها من قيم ومبادئ، تم تصميمها بطريقة جميلة وجذابة وذكية، مع يافطة مكتوب عليها «أثق فيك».

وعندما تقترب لتشتري، تكتشف أن لا بائع في الجوار، فليس الأمر بالكاميرا الخفية أو أن البائع في إجازة. كل ما في الأمر أن البائع «يثق بك»، ليترك العربة بما فيها من ملابس، لتقوم باختيار ما تريد، وتضع مبلغ ما أخذت في الصندوق المخصص.

صاحب ماركة «أثر» البحرينية جعفر حمزة، يذكر سبب اختياره لهذه الطريقة في البيع، وما قد تمثله من «مجازفة» وجرأة كبيرة في الإقدام على هذه الخطوة، فيقول: «عندما شاهدنا حلقة أحمد الشقيري في برنامجه «خواطر» عن البيع بالثقة، في أميركا وبعض البلدان الأوروبية، كنا أنا وشريكي الأخ أكبر مدن على قناعة بأن ماركة «أثر» هي أفضل من يمكن أخذه وتقديمه للجمهور، لأنها ببساطة تروّج للقيم، وهو ما نؤمن به بعشق، ونتحرك عليه بتخطيط، ليس هدفه الأول الربحية الكبيرة بقدر ما تكون القيم ذات حضور فاعل في المجتمع. لذا خطونا بهذه المبادرة، وتخوّف الكثير ممن نعرفهم سواء داخل البحرين أو خارجها من إقدام البعض على سرقة المعروض من ملابس، وكان ردنا الدائم، نحن نثق فيمن سيشتري «تي شيرت» يحمل قيمة جميلة ومبدأ سام، وقابلون بالمجازفة مهما كانت النتيجة، وهو مؤشر نُقدم عليه بكل أريحية وقناعة، لنعرف مستوى ما نتحدث عنه من قيم بصورة عملية وملموسة، ولسنا وحدنا».

يذكر أن عربة «البيع بالثقة» موجودة في مجمع العالي بالطابق الأرضي، مقابل مجوهرات البحرين


صحيفة الوسط البحرينية - العدد 4059 - الجمعة 18 أكتوبر 2013م الموافق 13 ذي الحجة 1434هـ

............



  • تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفةالتعليقات 3
    زائر 1 | فكرة روعة 2013-10-18 | 9:32 صباحاً البحرين احوج ماتكون لهذه القيم خصوصاً هذه الايام...

  • زائر 2 | بوركت جهودكم 2013-10-18 | 10:42 صباحاً فكرة رائعة وموفقة بإذن الله 

  • زائر 5 | الفكرة مبدعة 2013-10-18 | 1:23 مساءً شيء جميل ترى من يروّج للقيم التي باتت ان تتلاشى أتمنى هذه القيم تظل ثابته و راسخة عن شعب الخليج بصفة عامة وعند الشعب البحريني بصفة خاصة، ولا سيما بعد التجنيس العشوائي الذي بات يهدد الهوية و المبادئ و القيم

مبتكر ماركة «أثر» يطور خطاً من روح الشرق الأقصى جعفر حمزة: الخط الصعربي... عربي هجين لا تتشابك حروفه!


«ولادته في مطار الدمام بالسعودية، وممارسته في إيران، وترويجه في البحرين، أما روحه فآتية من مزيج سحر الشرق من الصين واليابان ومن هيبة الخط العربي». هكذا يصف جعفر حمزة... مبتكر ما أسماه بالخط الصعربي، دورة حياة ظهور هذا الخط.
يتميز الخط «الصعربي» بمزجه بين الحرف الصيني والعربي، ويقول حمزة «الحرف في هذا الخط مرسوم بشكل جديد مازجاً بين الخط الكوفي وبعض الأشكال في الخط الصيني وبعضاً من انسيابية النسخ.
ويضيف «الكتابة بالأسلوب العمودي، ولست بأول من يقوم بذلك، إذ سبقني إليه الخطاط الصيني المعروف نور الدين بابتكاره خط عربي بالأسلوب الصيني، وكذلك الأخت هاجر في الأنستغرام باتباعها أسلوب الكتابة العمودية».
على رغم ذلك، يؤكد حمزة أن هناك نقطة مهمة ومفصلية في الخط الذي ابتكره تتمثل في «استقلالية الأحرف والتخلي عن الربط والوصل كما هو موجود في أي خط عربي مهما كان نوعه. في الخط العربي هناك ثلاثة أشكال لكل حرف تتغير بظهور الحرف في بداية الجملة أو وسطها أو آخرها. أما الخط الصعربي فيستغني عن ذلك كله، فشكل الحرف واحد لا يتغير مهما كان موقعه، وهو ما يجعل تعلم هذا الخط سهلاً للعرب وغير العرب.
ويضيف «هذه النقطة جوهرية لبرمجة هذا الخط على الحاسب، فعدد الخيارات للأحرف أقل مقارنة بالموجود».
يعمل حمزة على الترويج لخطه عبر وسائل التواصل الاجتماعي «أقوم حالياً بنشر هذا الخط ليكون «مألوفاً» للناس. أطلقت مسابقة «خمنها» في الأنستغرام أدعو الجمهور لتخمين الكلمة المكتوبة بالخط الصعربي للفوز بتيشيرت أو وشاح أو ميدالية مكتوب عليها اسم الفائز بالخط الصعربي أيضاً».
ويضيف «العمل جارٍ على أن يكون له أنواع مختلفة وبسيطة يتمكن حتى الأطفال من كتابته والتعامل معه».
ويؤكد «تلقيت طلبات باستخدام هذا الخط لبعض المحال التجارية التي تعمل في مجال الهدايا، وذلك لكتابة العبارات والأسماء للزبائن».
أما عن دواعي ابتكار هذا الخط فيوضح حمزة إلى أن ما يقول به ليس سوى «إضافة متواضعة جداً في بحر الخطاطين من مشاهيرهم إلى هواتهم، مما يدل على عظمة الخط العربي وقوته ومرونته».
ويشير إلى أن هناك «تعاون ثنائي تحت الدراسة بيني وبين خطاط إسباني بهدف إيصال رسائل محبة وتفاهم بين الشعوب عبر مخطوطات مشتركة باللغتين العربية والإنجليزية».
وأسأل حمزة عما دعاه لابتكار هذ الخط ولترويجه لكونه «ابتكر» خطاً جديداً، في حين أن هذا الأمر ربما يجدر أن يوكل لمن تحرفن الخط العربي بمدارسه الكلاسيكية، فأجاب «الخط العربي ليس نصاً مقدساً لا يمكن تغييره أو إبداع شيء جديد فيه، فضلاً عن أهمية نزع «تابو» ألا يمس الخط إلا الخطاطون المشهورون فقط، وهذا داء كل فن أو أدب إن سرى الأمر بهذه الكيفية. علينا التحرر من دائرة الخوف من الجديد والتعامل معه بحرفية ونقد يبنيان القوة فيه ولا يهدمان أساس التحرك منه».
بالإضافة إلى ذلك، يواصل «مارست الخط العربي منذ المدرسة الابتدائية، ثم عدت إليه بعد أن أسست وافتتحت ماركة «أثر» لتصميم الأزياء وطباعتها، لكنني عدت بنفس مختلف عن المدارس الكلاسيكية المتعارفة في عالم الخطوط المعروفة كالثلث والفارسي والديواني والرقعة والنسخ والريحاني والمغربي والكوفي وغيرها.
ويكمل «صرت أبتدع أساليب خاصة للكلمات باستخدام برامج التصميم، وأطبقها على تصاميم ماركة «أثر» والتي لاقت رواجاً واستحساناً من عرب وأجانب على حد سواء، وهو ما أعطاني مؤشراً قوياً على أن للخط العربي مكامن قوة وطاقة لم نكتشفها بعد، وله من المرونة ما يمكن ابتكار الجديد منه.
فصرت أقوم بالتجربة تلو التجربة، وأبتكر لكل كلمة روحاً خاصة من خط وبيئة لتعطي معناها، وبدا التفاعل واضحاً من خلال حسابي الخاص في الأنستغرام.
حتى بدأت عندي «هلوسة الخط»، فبتُ أشاهد العديد من فيديوهات الخط الصيني والخط الإنجليزي القديم مع ابتكارات جديدة للعديد من الخطاطين من تركيا، وإسبانيا وأميركا والصين واليابان، حتى جاءني الإلهام في وقت انتظار في مطار الدمام، فخرجت أولى ملامح الخط الصعربي دامجاً بين الأسلوب الصيني في الكتابة من الأعلى للأسفل وتشابه بعض أحرفه مع الخط الجديد، وبين روح الخط العربي ورسم حروفه».
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 4011 - السبت 31 أغسطس 2013م الموافق 24 شوال 1434هـ

إخراج الأمير من الغرفة المظلمة


تُطعم السماءُ الأرضَ بنماذج تُذكّر أهلها بمكانتهم التي يستحقونها من كرامة وعزة واستقلالية الإنسان المُستخلف في الأرض، المُستعمِر عليها بُنياناً وتطويراً ونشر عدالة وقسط.
تلك النماذج تكون الحُجّة من بين البشر، هي -أي النماذج- أُناس منّا وفينا، يعيشون ذات البيئة التي يخرجون من رحمها لأممهم وأقوامهم، ليعلنوها صراحة بأنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ما عليك إلا بناء تلك الإرادة للتغيير ليعمل قانون الجذب الكوني 
Law of Attraction
، وتكون محلاً لنزول فيوضات السماء -وهي حاصل جمع الأسباب الأرضية مع الطاقة الكبرى للكون.
عليك أخذ أسباب الأرض بين يديك، ويكفيك النظر للمجتمعات التي ما إن تضع إرادتها للتغيير في أمر إلا وقد انجذبت لها دوائر التحسين والتطوير فيما يقومون به.

صنع الجاذبية
فالقدوة وجودها فطري ومهم، لرفع معيارية التغيير عند المجتمع، فلا يخلو أي مجتمع أكان متطوراً أم متخلفاً من اقتباس قيمة له من قدوة يضعه نصب عينيه ليكون المعيار الذي ينجذب إليه ويعمل له، بل لا تخلو أي مدينة بها عمق التغيير في التاريخ وبها مصاديق التغيير وإحداث الأثر من نموذج القدوة في تراث أو تمثال أو أسطورة أو قصة أو سلوك مقتبس أو عقل جمعي مُمارس.
ولا تخلو المجتمعات ذات الصبغة الدينية في انطلاقة حركتها من هذا المفهوم، وليس هي ببدع من ذلك كله، وإن اتخذت صفة القداسة في الأمر، إلا أن الثابت هو وجود تلك “المعيارية” الموضوعة، مع فارق جلي، وهي صفة الارتفاع في تلك القدوة، فيتم إسباغ صفات خاصة بها لا تكون في البشر عامة، من قبيل المعاجز والكرامات والحبوات الروحانية، ومع وجود تلك المعاجز في سير الأنبياء، وهم أعظم الرتب في مفهوم “القدوة”، إلا أن تلك القدرات تأتي في سياق تثبيت العدالة والكرامة للإنسان لا غير، تأتي كقدرة مساندة لرسالة النبي فيما يقوم به من تغيير اجتماعي يصطدم بكثير من الأحيان بل غالباً بتحجّر العقل الجمعي في بيئة النبي، مما يلزمه “صدمة” تُخرجهم من غرورهم الجماعي، وتُوقظهم من سبات تلك البرمجة فيهم، حالهم كمن كان في سُكر أو كالذي توقف قلبه، فتلزمه تلك الصدمة الكهربائية لاستنفار عضلات قلبه للحركة من جديد.
وتأخذ تلك المعاجز والكرامات محلها ك”صدمات” في المجتمع بحسب الموقف والسيناريو الذي يكون فيه النبي، والأمر منوط بالسماء في حكمة خروج تلك المعجزة في الوقت والمكان المناسبين. وعندما نعود للقرآن الكريم، يتضح أن اختيار نوع المعجز وإلى من يتم تقديمه ومتى وأين هو اختيار السماء عبر النبي أو الرسول الذي يعمل على تحقيق الرسالة الكونية الثابتة التي لا تتغير “الاستخلاف والاستعمار”، وهو ما يلزم مصارعة القوى الثلاث في كل مجتمع والتي تعتبر رسالة السماء تهديداً لمصالحها، وثالثة الأثافي هي:
المال والسياسة والدين. ونتيجتها “السُلطة”.

ما سر علي؟
ذلك في سير الأنبياء والرسل، فما خطب إنسان قدوة لكن ليس بالعادي وليس بنبي أيضاً؟
أين يمكن وضع هذا الأنموذج القدوة الذي يرتفع عن الإنسان العادي ويقل عن نبي؟ هو من سنخ روح النبوة ولا يأخذ عنوانها “يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي”.
ما سر هذا الإنجذاب لشخصية تربت على يد خاتم الأنبياء وحظيت باعتناء خاص وشديد لدرجة دفعت بعض صحابة الرسول للحديث عن هذا “الاستثناء” الذي يقدمه النبي لهذا الإنسان، وهو الإمام علي بن أبي طالب “عليه السلام” وهو ابن عم النبي الأكرم “ص”؟
نعتقد لأننا نرى الإنسان الكامل فيه دون أن يكون نبياً، أي أن السماء تقدم نسخة مطورة للإنسان غير الأنبياء.
ترى في علي الإنسان الكامل، الإنسان الجامع لقوس الله فيه باختلاف كل ألوان الطيف، وهو ما ندر أن يوجد في إنسان. فهو إنسان الحرب كأسد هزبر، وتكون شجاعته اللامعتادة عاملاً أساسياً في بقاء خاتم الرسالات “ضربة علي يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين”، ويختصر النبي الأكرم موقف الإمام علي “ع” في تلك المعركة بأن يختصر فيه الدين كله “برز الإسلام كله للشرك كله”، وذلك في معركة الخندق حيث برز الإمام علي “ع” إلى عمرو بن ود بعد أن استعرض الأخير قواه ونادى بالمبارزة، وكانت نقطة التحول حينها في علي بعلم النبي.
فلا غرو أن ترى كل منصف يعشق هذا الإنسان، ولو لم يكن حتى مسلماً، فعلي تتكثّف فيه قيم الإنسان الكامل، ففيه الفارس البطل، وفيه العطوف على اليتامى، وفيه صاحب البلاغة، وفيه السياسي المحنك، وفيه المتصوف، وفيه الرجل العملي والحركي، هكذا إنسان جامع لمثل هذه الصفات، ينجذب إليه كل امرء على الفطرة ومنصف. لأن فيه “فطرة الله وصبغته” ومن أحسن من الله صبغة؟!

تحطيم ثالثة الأثافي
وكما هو محل جذب العاشقين للكمال، فهو مصدر تهديد لا يتوقف للمطففين في العدالة للإنسان، والمصادرين لكرامة بني آدم، والمتمصلحين من وراء كل حيف، وبانوا بروج الفراعنة والمستأثرون بثلاثية التحكم بالعقول في قواها المالية والسياسية والدينية.
فكان علي ظل للنبي، فهو فرع من أصل، كانا يدكّان عرش الهرم السلطوي المتحكم في المجتمع العربي حينها، فالقدرة المالية كانت في يد قريش، وكذلك السلطة الدينية والأمر سيان على السلطة السياسية. ورسالة النبي الأكرم كانت تشكل ثورة تزلزل ذلك الهرم من أساسه، فالمساواة المجتمعية بين الفقير والغني معناه تقويض هيبة التسلسل في القوة عند قريش، والتبشير بدين جديد مخالف لدين القبائل العربية حينها يعني طي صفحة التربع في مركز السلطة الدينية وما يتبعها من قوة مالية واجتماعية.
وكما قوّض النبي ثلاثية السلطة في قريش “المال والدين والسياسة”، فقد واصل تلميذه المنتجب الإمام علي “ع” تلك السيرة، ودفع فاتورة حقد طويلة لا تنتهي إثر قتاله ذلك الثالوث، فكان الإنتقام من تلميذ النبي بسبب قتاله لبرجوازي قريش وأعمدة سلطتها العسكرية فيها، ومع غَلَبة الإسلام، إلا أن كثير من النفوس لا تغفر وترى في علي “قاتل” لأهلها، فكان التخطيط يمضي على قدم وساق للتخلص منه، ولا أدل على ذلك من خطابات أعدائه والتصريح بدوافعهم، والتحشيد لإنهاء حياته. ويمكن العودة للتاريخ لمعرفة موقف معاوية بن أبي سفيان من الإمام علي “ع” وتخطيط قتلة الإمام له.
ولم يقتصر الأمر على تصفية علي جسدياً، فهو أكبر من ذلك، إذ أنه مشروع حياة، يمتد في نسله وأتباعه ومريديه، لذا كان سبه على المنابر ممتداً لثمانين عاماً ليرضع على ذلك الصغير ويشيب عليه الكبير، أي أن هناك غسيل دماغ جمعي تجاه صنو النبي وتلميذه الأنجب بطريقة مكثفة تم استخدام قدرات الدولة الأموية في أجهزتها الإعلامية وتسخير بيت مال المسلمين لذلك، فضلاً عن العمل الدؤوب من أجهزة المخابرات والشَرَطة، واختلاق النصوص الدينية وتشويهها وتطويعها من قبل أجهزة السلطة الدينية المتمثلة في وعاظ السلاطين والمناهج الدراسية وخطباء الجمعة. كل ذلك لتشويه سمعة هذا الإنسان ومحاربة منهجه في العدالة الاجتماعية قدر المستطاع.
حرب بالوكالة
ورفع السقف
نتحدث عن صراع قيم لا ينتهي، صراع الحرية والعدالة وكرامة الإنسان بتجرّد عن الإنتماء القبلي والسياسي في قبال منهج قبلي لم يستطع الإسلام تنظيفه من عقول كثير ممن دخلوا الإسلام دون قناعة أو دون فهم، بل جعلوا الإسلام مطية لمصالحهم بعد أن بزغ نوره وبسط حضوره في ربوع الصحراء العربية وما بعدها، لإنسانيته التي كانت المغناطيس الأكبر للناس ليدخلوا فيه طواعية.
لم يكن بالإمكان محاربة قيم النبي الخاتم جهاراً، فكان علي محل الضربات والطعنات والهجوم والتشويه والتهميش، ويعلم أعدائه قبل أصدقائه بأنه امتداد لخط النبوة فيه كمثل هارون من موسى. لذلك رأت السلطات المتكونة بعد رحيل النبي وظهور تطرفها الواضح في جماعات “تكفيرية” والمتمثلة حينها في “الخوارج” فضلاً عن بروزها بصورة أكبر في سياسة دولة بأكملها، كما الأمر في الدولة الأموية.
إن مشكلة علي “ع” هو أنه رفع سقف التوقعات للناس عندما كان عليهم حاكماً وحقق ذلك وأكثر، مما يُحرج أي حكومة أو سلطة تأتي بعده ولا تفي ببعض حكومة علي المثالية الواقعية، في التعامل مع المعارضين، مع الولاة وممثلي الحكومة في مختلف الأقطار، ومع سياسة توزيع الثروة، والتعامل مع الأقليات، ومنهج تطوير الأرض واستثمارها، والإبداع في النظم الاجتماعية، وسياسة إصلاح السجون وتعزيز حقوق الإنسان وغيرها من عناوين عمل علي “ع” فيها ما أسعفه الزمن، والذي كان العدو الألد لمناوئيه، فكلما طالت تجربة علي ع” وحكومته، فإن سقف التوقعات يرتفع أكثر وأكثر، وهو ما لا قدرة لأي سلطة “برجوازية” ومصالحية ومتشددة دينياً أن تقوم به، فكان الأجدر التخلص من هذه التجربة لكي لا يستمر ارتفاع سقف التوقعات وتحقيقها بيد علي.
قد كان الخطر الأكبر من علي هو ذلك الرفع للسقف والذي لا يستطيع كثيرون ممن يمسك السلطة أن يصل إلى عُشرها فضلاً عن نصفها أو كلها.

علي، وقفٌ للإنسانية
إنّ أكبر ظلامة لصنو النبي وخليفته وابن عمه وتلميذه الأنجب والأقرب هو أن نحصره لطائفة دون أخرى، أو لمدرسة دينية دون غيرها. تلك الظلامة يشترك فيها اثنان، أولئك الذين “يحتكرون” علياً لهم بنسب أنفسهم إليه اسماً لأنهم يؤمنون بخلافته المباشرة بعد النبي “ص”، وأولئك الذين “يتركون” علياً لأن الفريق الأول قد رفع رايته باسمه.
فعلي لا يُحتكر كما أنه لا يُترك، تلك الثنائية الغريبة التي تحوّل علياً إلى أيقونة تميز بين مدرسة فكرية وأخرى ضمن دين واحد، ففي حين ينبغي أن يكون علياً لكل البشرية، تم حصره في الإسلام عامة وفي مذهب التشيع خاصة، مما يجعل الإنسانية أن تسأل من احتكره أو همّشه ونساه: أنّى لكم الحق في “تغييب” عليٍ عن المجتمع البشري ككل؟
كل أنموذج يقدم للإنسان قيمة مضافة يكون مُلكاً مشاعاً لكل العالم دون استثناء، فنرى مقولات غاندي ومانديلا وتيريزا وغيفارا وآينشتاين وغيرهم مشاع في كل العالم، في حين نرى أن الأمر يتوقف وتتعطل تلك المعادلة عند علي “ع”، وتلك ظلامة كبيرة للمجتمع الإنساني عندما لا يعرف علياً في منهجه السياسي -بالرغم من اتخاذ وصيته لمالك الأشتر كميثاق عالمي وأنموذج جميل ودقيق لحقوق الشعوب والأقليات-، وعندما لا يُعرف علياً في منهجه الأخلاقي، ولا يُعرف في منهجه الاجتماعي والإصلاحي والعرفاني والبطولي والعلمي والروحاني، وغيرها من جوانب شخصيته، والتي إن تم تسليط الضوء عليها كان شحيحاً، وإن برز بدا متواضعاً، وإن خرج كان وقفاً على لغة واحدة لا غير. من يظن أن علياً للشيعة فقط، فقد ظلم نفسه بحرمانها من علي، فعلي للإنسان أياً كان دينه ومجتمعه وتوجهه.
ومن أجمل ما يمكن أن يوصف هذه الحالة، ما قاله الشاعر المسيحي “بولس سلامة”:
لا تقل شيعة هواة علي ..إن كل منصف شيعياً.
هو فخر التاريخ لا فخر شعب ..يصطفيه ويدعيه ولياً.
ونقول “أن كل منصف هو شيعي لعلي، وليس كل شيعي هو منصف لعلي”
ونهمس بجرأة الأخ الناصح لكل شيعي بمعناه العرفي الموجود: نَسَبك الشيعي ليس شفيعاً أو طوق نجاة وليس خارطة طريق بناءة ما دمت تحتكر علياً لنفسك، لأن ذلك قمة الأنانية، وهي القيمة التي لا يرتضيها علي لمتبعيه ومريديه ومحبيه و”شيعته”.
وكما نهمس بقلب المحب الشفيق لغير الشيعي “العُرفي”: لا تخسرنّ علياً بسبب أن غيرك رفع اسمه هوية له وأعلنها جهاراً. أليس الحكمة ضالة المؤمن، ومن أولى أن تجد الحكمة فيمن علّمه النبي ألف باب من العلم، ومن كل باب فيه ألف باب من العلم؟
أي عاقل يترك بئر المعرفة هذا؟

صلب علي بين شيعي وسني
هناك من يحتكر علياً لنفسه وكأن لديه “صك أمان” ويسبغ على نفسه هالة الاتباع وضريبة ذلك وبرمجة جماعية عليه دون الفهم العميق المميز لمنهج علي “ع”، منهج “لا تكن صلباً فتُكسر ولا تكن ليناً فتُعصر”، ومنهج “أعينوني بصبر واجتهاد وعفة وسداد” وسبيل “وعليكم بنظم أموركم”، هذا فضلاً عن سيرته النبيلة في تطوير المجتمع الإسلامي مهما كان موقعه السياسي، عبر نصح الخليفة وصد المظالم ونشر ثقافة الإسلام الأصيل بتعزيز كرامة الإنسان ورفع شأنه، وذلك عبر شعاره الكوني “الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.
لا نود أن نصلب علياً على خشبة معرفتنا الأنانية تارة أو من جهل ابتعادنا عنه تارة أخرى.
كيف لشخصية لصيقة وظل للنبي محمد “ص” تكون هي الفارق الأعظم بين المسلمين؟ بين شيعة وسنة؟!
بدل أن يكون بقاءه مُلهماً للجميع، سني شيعي، زيدي، أباظي، سلفي ، إلخ من قائمة من يود الحكمة ويبحث عن مظانها. أبعدنا علياً كأنموذج حي للحكمة والتغيير وسياسة الإصلاح وهو أنجب تلامذة الرسول “ص” والمسموع رأيه ونصحه ومشورته من قبل الخلفاء كأبي بكر وعمر، ومقولة الخليفة الثاني معروفة في حقه “لولا علي لهلك عمر”. في دلالة على تواصل بينهما ونصح واستماع من أجل هيبة الدولة الإسلامية الغضة آنذاك، ولم يغفل علياً ذكر ما يراه حقاً له في الخلافة في أكثر من موقع، ومع ذلك، يكون الناصح الذي لا يتردد في تقديم رأيه للخليفة الرسمي في زمانه.
فيتحدث عن حقه ويحافظ على بيضة الإسلام بتواجده المنتج للدولة آنذاك، فلم يعتزل العمل السياسي يوماً، فمنهجه إصلاح الإنسان أينما كان، ولم يتوقف عن ذلك يوماً، مذ فتح عينيه في بيت الله مروراً بصحبة النبي كظله إلى أن انتقل للرفيق الأعلى في بيت من بيوت الله أيضاً، وكأنه يُكمل دائرة العطاء المتفرد منه لهذه الدنيا، من نقطة مقدسة ويُنهييها في نقطة مقدسة أخرى، وما بينهما
نظلم أنفسنا بظلمنا لعلي إذا احتكرناه في صندوق الإنتماء المذهبي، ونظلم أنفسنا أكثر إذا ما زهدنا فيه والأخذ بمنهجه ورأيه وأسلوب تفكيره.

علي محاصر في غرفنا المظلمة!
يلزمنا الخروج من الغرفة المظلمة التي حصرنا علياً فيها؟غرفة الأنا التي نقرأ علياً من خلالها، ولا نقرأ علياً لها، وشتّان بين الأمرين.
إن الأمة التي لا تُحيي عظمائها عبر ذكرهم ونشر قيمهم، هي أمة فقيرة بِحُمق.
كقوم على نفط، يأخذون ما يتسرّب منه لحاجاتهم البدائية، دون استثمار حقيقي له عبر التنقيب عنه والصناعة منه والتجارة فيه.
عليٌ ترجمان لخط الله على الأرض، وهو الخرّيج الأول لمدرسة النبي وتربيته، فلا غرو أن يكون فيه فيض من عبق النبي وسبيله.
والمسلم الحكيم من يتلمّس الأقرب فالأقرب من منهج خاتم المرسلين “ص”، والعاقل من يرى ويقرأ ويفكر بأي منهج يفكر علي، وأي عطاء قدمه، بل كيف نوظف كل ذلك لمصلحة تنمية المجتمع وتطوره.
فلنقرأ علياً في منهج حكمه ورسالته لمالك الأشتر، والتي اُعتبرت منهجاً ووثيقة للدولة العادلة والحكيمة، ولنقرأ علياً في زهده ومناجاته، ونطلع على معاني وعمق دعاء كميل المُبهر لغة ورسالة وجمالاً، وفي سياسته الاقتصادية وهو القائل “ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني”، ولنقرأ علياً في بطولته وسياسته الحربية، فهو المحارب الجسور والإنسان الرؤوف.
لنقرأ علياً كما اطلع عليه “جورج جرداق” المسيحي، لنقرأ علياً كما رآه العقاد السني، لنقرأ علياً كما تعمّق فيه شريعتي الشيعي، لنقرأ علياً بتجرّد عن كل أوزاننا التي تجعلنا نتثاقل إلى الأرض بعيداً عن فهم علي واستثمار فكره ومنهجه في حياتنا اليوم.
وما علي إلا ظل للنبي، وامتداد حقيقي لمنهجه في السلم والحرب، في نصحه للصحابة ومساندته بالتصويب للخلفاء، لأنه ينظر بعين الله، وعين الحكيم المهتم بالمصلحة العليا للأمة لا للشخص.
عليٌ أسكنّاه في غرفة مُظلمة، معنونة بالتشيع تارة وبالتسنن تارة أخرى، علينا إخراجه منها، لنعرفه أكثر ونستلهم منه..
وطالما عرفناً علياً، فإننا نفتح الأبواب على مناهج وعلوم لم ندركها من قبل
“علمني رسول الله ألف باب من العلم، يفتح من كل باب ألف باب ممن العلم”.
وأي حظوة لمجتمع مُكتنَزٌ فيه شخص كعلي، وهو الأولى بدراسته وفهمه وتقديره وتطبيق رؤاه؟
وما كل ذلك إلا ترجمان للنبي في رسالته.


"بين انتظار منتج وتفجير جسد" ... كيف تتحول الحاجة إلى رغبة؟


لماذا لا نتوقف عن استهلاك منتجات جديدة وهي تؤدي نفس غرض ما بين يدينا من منتجات، لمَ لا نكتفي بما لدينا؟! 

 أليست المنتجات المتوافرة قبل سنة تفي بالـ "حاجة" Need؟! 

 ما الجديد في معجون الأسنان من قبل عام مضى إلى الآن؟ هو معجون يؤدي "الغرض" وكفى؟! 

 

 والأمر يسري على كل منتج صَغُرَ أو كَبُر. مع ذلك نظل نستهلك دون توقف، ونكون في "عقل جمعي" لاستمرار شراء منتجات جديدة بالرغم أن ما يسبقها يفي بالغرض. 

 ما القوة المحركة في هذا العقل الجمعي العام الذي يرسم له طريق "الشراء" و"الاقتناء" بصورة متكررة؟ سواء لأساسيات أو كماليات؟ 

 

 وبالمنطق فقط، فإن العمر الافتراضي للمنتج لا يسعه الإنتهاء حتى تكون قائمة الخيارات من نفس المنتج ومن نفس الهوية التجارية Brand على رفوف المتاجر وتم إعلان "النفير البصري" له عبر الإعلانات والعروض. 

 هنا يغيب المنطق، وتحضر "الرغبة Desire"، والتي تعمل عليها وسائل الإعلام عبر تثبيت "الرسائل االضمنية Subliminal Messages" التي تربط المنتج برغبة لدى الإنسان ربطاً شرطياً، فيكون الجمال مرتبطاً باستخدام هذا النوع من الشامبو مثلاً، أو ربط الإقدام والجرأة بهذا المشروب، وهكذا تتم عملية العنونة-وضع العناوين- أو ما يسمونه ب Labeling فتتمثّل الرغبات مع القيم في هيئة منتج أو خدمة للهوية التجارية.

 

 

 وأكبر عاملين مؤثرين في استمرار عملية الاستهلاك من هوية تجارية بذاتها، هما:

 

 ١. الحضور البصري المكرر أو الذكي أو كليهما للهوية التجارية، بحيث تكون جزء من جدولة النظر للفرد خلال يومه لفترة معينة. ولهذا الحضور المكثف مساحة من مخزون الذاكرة للفرد والتي يتم تقديمها بربط شرطي واضح بين المنتج أو الخدمة مع الرغبة Desire والتي يرتفع مستواها لتكون قيمة Value. وعندها يكون الارتباط أكثر والعلاقة أوطد.

 

 ٢. التجربة وحديث الناس Word of Mouth WOM وهو الداعم الأكبر إن لم يكن رقم واحد في تثبيت العلاقة بين الهوية التجارية والرغبة أو القيمة. وعند انتشار فكرة "الربط" بهاتين الكيفيتين، تتولّد قوة الإقتناء لدى الفرد وبدرجات مختلفة. عندما تريد تثبيت فكرة، عليك بربطها برغبة أو قيمة أو كليهما معاً لتكون محل اهتمام الفرد.

 

 وبالمثل هناك منتجات فكرية وسلوكية تنتجها السياسة والعلوم والدين، ويكون الفرد ضمن شبكة ربط علاقات متتالية ومتراكبة ومعقدة أيضاً، فيتم ربط "مفهوم أو عنوان" ما بفرد أو جهة، لتتولّد حينها الصورة النمطية Stereotype، وتكون بمثابة ملصق ثابت يستحضره الفرد عندما يتعامل مع الطرف "المُلصَق" عليه تلك الصورة النمطية، ويأتي السلوك الخاص بهذه الصورة تباعاً سلباً أو إيجاباً أو غيرهما. إن القدرة على ربط السلوك الفردي وفق عناوين مبرمجة أصبحت آلية جِدُّ خطيرة، يستخدمها خبراء التسويق النفسي في جعل الفرد مرتبط عاطفياً وسلوكياً بمنتج ما، فتراه ينتظر بشغف نزول "منتج" جديد على أرفف المحال التجارية، وترى تلك القوة في الربط موجودة و"مربوطة" في الذين يُقصون الآخر ويُنفونه بقتل أو تصفية أو تعدٍّ على معتقدات الآخرين، كون ذلك بمثل "قيمة عليا" ارتبطت برغبة استندت على حاجة في مثلث ماسلو "الحاجة إلى الإنتماء"! وهكذا تتسع أو تضيق مساحة "الربط"، بين مُنتظرٍ على قارعة الطريق لأجل منتج جديد، وبين مُفجِّرٍ نفسه في منتصف الطريق لأجل أن يكون "شهيد"!! 

 

 

 وما يجمعهما معاً هي القدرة في تحويل "الحاجة" عندهما إلى "رغبة"، والأخيرة هي مُحرِّك انجذابها لما يودان فعله. 

 ولإعادة أي سلوك منهما، علينا تفكيك مكوناته ودوافعه، لفصل الرغبة عن الحاجة، وتحوير الرغبة إلى سلوك جديد يمكننا صنعه وتشكيله والتنبؤ به، إذا ما أعدنا العلاقات الشرطية الأساسية من جديد. 

 

 فلو كانت الرؤوس الصلعاء هي "الموضة" وترتبط بالشجاعة أو الحكمة أو الأناقة عند الرجال، لبارَت وتضعضعت P&G، وهي مارد صناعات منتجات العناية الشخصية في العالم. ولو كانت الأحذية المسطحة دون كعب للنساء هي "الموضة" لتكسرَّت الكعوب العالية في مصانعها وما خرجت للعلن أبداً. 

 

 وما يحكم كل ذلك ويجعله يستمر؟ 

 علاقة الرضا المعلنة وغير المعلنة بين المنتج والمستهلك، فالمنتج يقدم جديده على المستهلك بألف طريقة وطريقة والأخير يتجاوب ويشتري، ولهذا فإن المنتجات من نفس الهوية التجارية لن تتوقف، ما دامت دائرة الاستهلاك متحركة، والسلوكيات والمواقف مهما كان نوعها لن تتوقف ما دامت تتغذى من معادلة تحويل الحاجة إلى رغبة. 

 

 والأمر بيد أحدهما، إما أن توقف الشركات أو الجهات اللعب بصناعة العلاقات والربط الشرطي وهذا لن يكون، فذاك مصدر دخلها وتخمتها، وإما أن يتوقف الفرد عن استهلاك ما لا داعي له ويكسر تلك الدائرة، وتكون المبادرة ورسم سياسات السلوك القادمة الاستهلاكية والمجتمعية منه هو لا من كبرى الشركات أو من مصدروا الفكر الإقصائي الأسود. 

 

 وتجارب وقضايا تغيير تلك المعادلة كثيرة في العالم، من بينها قضية بدأها مواطن أرجنتيني ضد أكبر شركات إنتاج البيض في بلاده، والمحتكرة له، وكسب التحدي وفرض معادلة جديدة يكون المستهلك فيها هو الرابح الأكبر. والأمر بين يديك، إما تكمل دورانك في هذا المسلسل، أو تعيد رسم قصته، وثمن ذلك تعب وجهد الكبيرين. فاختر!!

 

 

 

 

 

 الصورة من كتاب Buy.logy Truth and lies about why we buy By Martin Lindstorm