الطائفية ولعبة المشنقة


الجودر: تصريحات النائبين الأخيرة تزيد المرحلة سوءاً
تنديد بالطائفية من خطباء الجمعة والجمعيات الشبابية
صحيفة الوقت العدد 537 - السبت 28 رجب 1428 هـ - 11 أغسطس 2007

فيما رحبوا بإصدار قانون يجرم التمييز.. يقول الناس:
محــاربـــة الطائــفية مهــمة كـــل صــاحــب ضــمـــير وطـــني

الوقت - علي الصايغ:
تعالت الأصوات في الآونة الأخيرة المنددة بالطائفية، والمحذرة من خطرها على المجتمع بجميع مكوناته، والتي ترى إن الترويج لأي شكل من أشكال التمييز حسب الأعراق أو الديانات أو المذاهب لا يخلق إلا شرخاً في المجتمع لا يمكن مداواته أو يصعب ذلك كما حكت لنا شواهد واضحة في أكثر من بلد في العالم.

وقد تعددت الحلول المقترحة والكفيلة بوقف الزحف الطائفي قبل تفشيه في مجتمع لم يكن يوماً أسيراً له، وإنما فوجئ به يظهر في السنوات الأخيرة، ولا يمكن السكوت عن أضرار ذلك المد الجسيمة. وكانت لهذه الملامح الطافية على السطح الغريبة على المجتمع البحريني، ردود فعل عارمة من ناحية الساسة والحقوقيين وشخصيات المجتمع المدني. وفي ضوء تجاذبات طائفية جرت في مواقع مختلفة كما حدث في البرلمان السابق أو حتى الحالي، إضافة إلى بعض المواقف التي كشفت عن ازدراء واضح وتمييز صارخ، في ضوء ذلك جاءت فكرة إصدار قانون يجرم التمييز والممارسات الطائفية، واعتقد آخرون بخطورة تأثير بعض المؤثرات الخارجية على التماسك الأهلي، بينما ذهب البعض الآخر إلى خطورة التجاذبات السياسية التي وصلت إلى حد المصلحة في إذكاء روح الطائفية المقيتة للوصول إلى أهداف آنية ما.
سيارة ضد الطائفية
الكل يعبر بطريقته عن خطر استفحال الطائفية، فقد أطلق الكاتب ومسؤول فريق الإبداع في شركة إعلانية جعفر حمزة فكرة فريدة من نوعها وهي فكرة سيارة ضد الطائفية معتبرا أن خطورة تنامي الحس الطائفي في البحرين قد بدأت تؤثر بشكل أو بآخر في النسيج المجتمعي. وجاءت الفكرة حسب حمزة أنه ''كثر في الآونة الأخيرة استخدام (الإستيكرات) على الزجاج الخلفي للسيارات، سواء ما تحمل رسالة انتماء سياسي أو ديني، أو شرح وضع اجتماعي، أو انعكاس لثقافة الشباب بجميع أطيافه''، مستدركاً ''ونتيجة لتواجد ثقافة (الإستيكرات) قمنا بمبادرة للتحذير مما يجري في هذا الوطن من شحن طائفي سيكون الخاسر فيه الكل بلا استثناء''.
وأضاف ''ابتكرنا أيضاً ''لعبة المشنقة'' المعروفة، حيث تتوقع الكلمة المطلوبة، وفي حال فشلك في توقع الحروف المكونة للجملة يتم رسم المشنقة إلى حين رسم شكل إنسان مشنوق في حال فشلك بتوقع الكلمة، أو تتوقع الكلمة المطلوبة وتنجح في اللعبة ولا يتم اكتمال رسم المشنقة''.
وتابع ''وقمنا بتمثيل فكرة ''الطائفية'' بلعبة المشنقة، والفكرة هنا حتى في حال توقع الكلمة الصحيحة وهي ''الطائفية'' فإن اللعبة تنتهي بشنق الإنسان (...) الفكرة رمزية وترسل رسالة واضحة، حيث إن اللعب على وتر الطائفية يؤدي إلى موت الإنسان أي موت الوطن''. وأضاف ''الغرض من عملها على خلفية زجاج السيارة هو إيصال الرسالة لأكبر عدد ممكن أثناء قيادة السيارة في الشارع''، معتبراً أن ''الطائفية داء عضال ومحاربته ومقارعته مسؤولية الجميع بلا استثناء''. وقال حمزة ''وبرغم لعب بعض الأطراف على هذا الوتر الشاذ والنشاز، إلا أن الواعين لن تنطلي عليهم مخططات الطائفية.
التي لن يخرج من لعبتها أحد وهو رابح أبداً
وأضاف ''لقد تمثلت الطائفية في الزيف المكتوب (بعض الصحف) الزيف المسموع (الخطب الموجهة) والزيف المرئي (الإعلام في بعض صوره)''، معتبراً أن ''مهمة كل صاحب ضمير وطني أن يحارب الطائفية بكل ما أوتي من قوة وهي مسؤولية دينية وعقلانية بالدرجة الأولى''.
من جهته، أكد رئيس مركز البحرين الشبابي (الوفاق) محمد فخراوي استحسانه لفكرة صدور قانون يجرم التمييز والطائفية، وتمنى ''أن نحمل ثقافة نبذ الطائفية والتمييز قبل أن نشرع قانوناً''، موضحاً ''إذا كان القانون لا يطبق فما الفائدة منه''.
وقال فخراوي ''لو استطعنا تكريس ثقافة نبذ الطائفية والتمييز فإننا سنصل إلى النتيجة المرغوبة، وقبل أن نشرع القانون ينبغي علينا البحث عن الأسباب والسياسات التي أدت إلى التمييز وأن نحاربها''، لافتاً إلى بعض سياسات تمارس للأسف في الدولة ''سواء بالنسبة إلى التوظيف أو غيره'' على حد قوله.
واعتقد أن ''هناك تكريساً لفئة معينة على حساب فئة أخرى، والنتيجة أن الفئة التي تتعرض للتمييز تشعر بالغبن في الوقت الذي لا تستطيع فيه التنازل عن المكتسبات''، وفق قوله.
وأوضح فخراوي ''هناك بعض المؤثرات الخارجية الطفيفة، ولكن بعض السياسات الداخلية هي التي كرست الطائفية المطروحة على الساحة في الوقت الراهن''، لافتاً إلى مثال ''توزيع الدوائر الانتخابية باعتباره أحد ملامح الممارسات الطائفية في البحرين''، حسب رأيه.
أبعاد خطيرة
من جهته، قال عماد خليفة جاسم (30 عاماً) ''من المفروض أن نكون يداً واحدة، وألا تتواجد الطائفية فيما بيننا''، لافتاً إلى الأخطار الجسيمة من الانسياق وراء المهاترات والنعرات الطائفية التي لا تؤدي إلا إلى تمزيق الصف. وقال جاسم ''إن الطائفية لها أبعاد خطيرة، وتأثيرات جمة، ونحن إن كنا مجتمعاً مثقفاً وواعياً فيجب علينا أن نوقف شجرة الطائفية التي لن تثمر إلا ثمار التشقق وزعزعة الوحدة الوطنية''.
وعن مدى أهمية صدور قانون يجرم التمييز والممارسات الطائفية في البحرين، أجابت رئيس نادي صناع الحياة ميساء النيباري ''أنا مع إيجاد مثل هذا القانون إن كان سيحد من الطائفية، ويؤدي بدوره إلى إطفاء نارها في أي موطن من مواطنها''.
ولا تعتقد النيباري أن هذه النعرات والمشاحنات الطائفية هي وليدة الداخل البحريني، معتبرة أن الواقع البحريني بريء من هذه الأفكار، وأن كل الأعراف والتقاليد البحرينية تندد بجميع أشكال الطائفية، ومؤكدة أن ''الزحف الطائفي أساسه خارجي، وليس وليد البحرين''، وفق قولها.
وقالت ''كوني بحرينية، أتمنى أن يعي الشباب البحريني خطورة الأمر، وألا تجرفهم العواطف والانتماءات''، لافتة إلى أن الشباب البحريني وصل إلى المستوى الذي يميزه عن باقي شباب الوطن العربي، وقد حقق إنجازات على أصعدة عدة''، حسب تعبيرها.
وأضافت النيباري ''الوعي بخطورة الطائفية بين الشباب البحريني مطلوب (...) يصعب التعايش بحس طائفي في مجتمع خليط، لا يمكن له أن يتخلى عن روابطه المتينة من أجل الروح الطائفية التي لا تجر سوى إلى الشتات''.
أسباب تفشي الطائفية
كما أن بدر جمعة (31 عاماً) أكد بدوره وجود مؤثرات خارجية ترغب في زرع الانقسام في المجتمع، وأن لها مصالحها الآنية في ذلك، لافتاً ''ليست المعضلة في الطائفية وحسب، وإنما في التمييز بين الأعراق أيضاً وذلك من شأنه أن يخلق فروقاً واسعة في المجتمع''، وفق رأيه.
وقال جمعة ''الطائفية هي التحيز والتعصب الذي يجعل أبناء الطائفة الدينية الواحدة تتحيز وتتعصب لطائفتها، وتعتبر طائفتها أفضل وأحسن من الطوائف الأخرى، وتتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي واجتماعي كبير''. وأضاف ''وعندما تدعي الطائفة أنها أفضل من الطوائف الأخرى وتستأثر بالسلطة والثروة وتحتكرهما لصالحها فإن الصراع بينها وبين الطوائف الأخرى سرعان ما يظهر ويسيطر علي الساحة الاجتماعية والسياسية'' حسب تعبيره.
وأبدى جمعة بعض الأسباب التي أدت إلى تفشي الطائفية ''التنشئة الاجتماعية الخاطئة والمعيبة والمتحيزة التي تعتمدها العوائل في تربية أبنائها منذ المراحل الأولى للتنشئة والتربية الأخلاقية، المصالح السياسية والاقتصادية التي تضعها الطائفة في الحسبان، والجهل وضيق الأفق والتحيز والتعصب الذي يسيطر علي الطوائف الدينية والمذهبية المتخاصمة''.
وأضاف جمعة أسبابا أخرى منها ''التدخل الأجنبي بغية إضعاف المجتمع، وجود الأقليات القومية والعرقية التي تقود إلى تحيز كل طائفة إلى أفرادها ووقوفها ضد الطوائف الأخر بدون وجهة نظر حق وعادل'' حسب رأيه.

.





هروب الدجاج
جعفر حمزة
جريدة التجارية الاسبوعية ١٤ نوفمبر ٢٠٠٧

لم يشعرن بإنتماء حقيقي للمكان الذي كنّ فيه، وكان عملهنّ اليومي والدائب هو تقديم البيض لصاحبة المزرعة الجشعة، والتي رأت أن المسألة لا تستحق عناء جمع البيض وبيعه، فقررت أن تحوّل الدجاج إلى فطائر، وكانت اللحظة الحاسمة بعد محاولات الدجاج العديدة للهروب من الحظيرة ، وذلك بمساعدة الديك"الأمريكي" الذي أتى من بعيد، ليكون "المخلّص" لهنّ من عذاباتهنّ اليومية، وانتصرنَ الدجاج على المرأة الجشعة وعشنَ في الأرض الموعودة كما تخيلوها، لا بيض كل يوم بعد اليوم!

استحضرتُ مشاهد الفيلم كشريط أخرجه الواقع المعاش، وأجد أن العنوان - وليس مضمون الفيلم- واقعي جداً كنتيجة لسيناريو نتمنى أن لا يكون أبداً، إلا أن العاقل والحكيم من يضع الأمور في نصابها الصحيح، ويضع في عين الإعتبار كل الإحتمالات الواردة ليتمكن من توليها بحنكة ودراية عندما تقع.

وما أشير إليه هنا بالسيناريو الأسود هو إحتمال وقوع الحرب في المنطقة أو المواجهة بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، وخصوصاً مع تصعيد الموقف من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.

وعوداً إلى دجاجاتنا "الثائرات" على الوضع، حيث تمكّنّ من الهروب من الحظيرة لسببين، أولهما عدم شعورهنّ بالإنتماء إلى المكان، والذي دفعهن للسبب الثاني وهو البحث عن طريقة للهروب منه، وتصاعدت الأحداث ليكون الإسراع في الهروب نتيجة إقدام صاحبة المزرعة على اتخاذ قرار "ذبح" الدجاج وتحويلهن إلى فطائر!

وتأخذ المجتمعات المعاصرة والتي تبحث عن البقاء بصورة مميزة ورائدة في عالم اليوم في البحث عن مشتركات مختلفة الزوايا لتكون معيناً حقيقياً يمكن الإعتماد عليه في حال حصول هزّة من أي نوع، سواء كانت اجتماعية، اقتصادية أو ثقافية وحتى سياسية.

ويتميز الوضع في البحرين بتداخل تناسقي غير بسيط بخلاف ما يتم تصويره، وهو واقع علينا دراسته وحلحلته بدلاً من التغطية عليه وتجميله، فالمجتمعات التي تضع الكثير من مساحيق التجميل ستزول عند أي محنة، ويسيح الماكياج ويشوه صورتها. وذلك يسبب ضياع الفرص التي يمكن نيلها، والمشكلة الأساس تكمن في مفهوم المواطنة وأثرها المعيشي على المواطن، حيث تم طرح هجرة الأدمغة البحرينية إلى الخارج في الفترة الأخيرة، وهو تحصيل حاصل ونتيجة لا يمكن لنائب أن يأخذها ببساطة ويضعها في قالب المطالبة بتشريعات للحد من تلك الهجرة دون المعرفة الحقيقية للأسباب وتبعات تلك الهجرة.

ومن ناحية أخرى تقل المساحة المخصصة للمنافسة الاقتصادية العادلة مع وجود أعداد لا يمكن الجزم بحجمها ممن حصل على الجنسية البحرينية وفق الشروط وروح الدستور من غيره، فضلاً عن شح في الموارد وزيادة عدد الأفراد في المساحة المسكونة أو المسموح بالعيش عليها.

هذه العوامل، بالإضافة إلى أثرها الاقصادي على مستوى المعيشة، تثير السؤال عن تبعات السيناريو الأسود الذي قد يحصل بإصرار أمريكي وتحمّس صهيوني لضرب إيران.
من لا يشعر بالإنتماء إلى الأرض التي يسكن عليها فما أهون عليه تركها عندما تتعرّض لخطر أو هزّة، وكما كانت الدجاجات لا يشعرن بإنتماء إلى المكان الذي كنّ فيه، وهربنّ عندما واتتهنّ الفرصة، فنخشـي أن يتكرر هروب الدجاج كما حصل إبّان الغزو العراقي الاثم على الكويت، وقد استفادت الأخيرة من التجربة بفعالية كبيرة، وضمنت عدم إيكال "الخيط والمخيط" كما يقولون للدجاج الذي يفكّر في الهروب عند أي أزمة.

لا يمكن الوثوق ببقاء الدجاج في القفص إن فتحت له الباب، فتلك فطرته وإن كان "داجناً"، وما سيسببه هروب الدجاج هو فراغ حاد في مفاصل أساسية في المجتمع في دوائره الاقتصادية، وقبلها وأهمها علاقة الثقة التي تبحث عن قاعدة عملية في المستوى المعيشي، ولا يمكن تعويض ذلك الفراغ بين عشية "أزمة حرب" وضحاها بسهولة، وخصوصاً عندما يتم "تهجير" وطيران العقول الوطنية، وتدجين الدجاج البري.
ونخشى أنّ مراكز التدفق المالية مصدراً وصرفاً تهرب مع هروب الدجاج، فهل يمكن الرهان علي دجاجات يفزعنّ عند كل ناعق وصريخ؟!