We will not go down




جعفر حمزة*

كدت أبكي لكلماتها الصادقة وابتعادها عن كل مساحيق التجميل، فما إن اقتربت من سمعي حتى ذاب كل الجليد بيني وبين ذلك النسق في الحديث والتعبير. بل وأكثر، فأصبحت مدمناً عليها، فصرت أطلب منها أن تُعيد ما قالته مرة بعد أخرى، حتى أمست رديفة سمعي أينما ذهبت، فقد أحببتها لشجاعتها وصدقها الذي بات يُزهر في البلاد التي تغرب فيها الشمس، بالرغم من منع "الهواء النقي" و"الماء الصافي" و"التربة الجيدة" نتيجة "فيروس" يُسمى "الكيان الصهيوني" و"بكتريا" تُدعى "الإهمال العربي"।
فأطرقت فيها مُفكراً بعد أن طرقتني سمعاً بقوتها وكلماتها التي تعكس واقعاً وقضية إنسانية خالصة (قضية غزة)، ولم يكن الأمر بحاجة إلى طول تفكير وتحليل، حتى عرفت أن أغنية We will not go Down للمغني الأمريكي Michael Heart هي إحدى الصور المتناثرة مع تطاير الجثث التي وزعت أشلائها ماكينة المجزرة الصهيونية البغيضة على الإنسان والمكان والزمان، فكان نتاج ما صنعته تلك المجزرة في غزة بعد حصار وتجويع وإرهاب هو "تسونامي" هز الضمائر الحرة في العالم من أقصى الشرق إلى أبعد نقطة في الغرب، تلك الصدمة التي جعلت الآلاف يتظاهرون في البلاد الغربية ، وحرّك الأقلام الحرة في العالم لتبيان الدنو في المستوى الأخلاقي الإنساني الذي وصل إليه العالم في ظل مجزرة تحرق كل شىء حي وجماد معاً. وتعبر الأغنية عن شجاعة وقوة الإنسان وثباته على مبادئه مهما كانت الظروف، فبالإمكان حرق المساجد والبيوت والمدارس، لكن لا يمكن لتلك النفوس أن تموت. وهذا أحد مقاطع الأغنية:

We will not go down In the night, without a fight You can burn up our mosques and our homes and our schools But our spirit will never die We will not go down In Gaza tonight
فعند تعاظم الظلم والوحشية البربرية، يكون التعاطف العالمي من قبل الشعوب هو أقل نتيجة متوقعة، فالإنسان هو الإنسان في البحرين وروما وواشنطن، وفي كل مكان. وعند زلزلة الاتزان الإنساني في قيمه الأساسية تكون الثورة والصراخ من الأعماق هو التعبير الطبيعي للألم الذي يمثله انسلاخ الإنسان من إنسانيته ، ويتخذ ذلك الصراخ وتلك الثورة صوراً عديدة تتجاوز كل حسابات السياسة وموازين القوى الموضوعة في المجتمعات باختلافاتها। إذ أن هناك حسابات من نوع آخر تظهر على السطح عندما يُهدد الإنسان في صلب إنسانيته. ومع ذلك يبقى الإنسان أسير الزمن في النسيان وترهل الذاكرة لديه، فبالتالي تكون إحياء الصور التي تعكس القضية الإنسانية وبطرق مبتكرة وتماشي العصر مطلوبة بل وضرورية لتحافظ على وجودها وحركتها في الذاكرة والسلوك، بل وتتحول إلى أيقونة ، وتلك من أجلى الصور التي يمكن أن تعيش معها القضية ضمن حياة الناس، بل قد تكون جزءً من أسلوب حياتهم اليومي، ولا أدل على ذلك من تحول "الكوفية" إلى صورة للقضية الفلسطينية بل وأكثر للدلالة على الثورة والتمرد على الظلم، لتصبح رمزاً "ملاصقاً" لللإنسان في ملبسه. ومن أقرب للإنسان تعبيراً من اللباس؟ فهو جلده الثاني وصورته الظاهرة لنفسه والآخرين. ونتيجة للتسونامي الذي أحدثته الوحشية والإحتلال الصهيوني لأرض فلسطين ومجازره على مدى ٦٠ عاماً، ومجزرة غزة والتي لن تكون الأخيرة ما بقي هذا الكيان موجوداً، سيكون لزاماً علينا نحن العرب والمسلمين توسعة دائرة اللقاء مع الآخرين في العالم من خلال القاعدة الإنسانية المشتركة في الحوار، وبالصور الممكنة، سواء منها الموجود أو تلك التي يمكن ابتكارها। فالمأساة مأساة والمجزرة مجزرة تنتفض لها النفوس جزعاً واستنكاراً وتنديداً وتفاعلاً.
وفي ظل هذا السياق الإعلامي المتخبط بين ناقل للصورة لا غير وبين مغيب لها، يكون بين الفعلين مساحة لا تحدها قناة ولا يغيبها توجه سياسي، تلك المساحة من الفضاء الواسع في العالم الإفتراضي "الإنترنت"، والذي له ميزة التواصل والتفاعل مع العالم وبشتى الصور الموجودة والمبتكرة في العرض والتحليل।
وتأتي أهمية صياغة الخطاب الثقافي في عالم الفن بصيغه المختلفة عبر حصان الإنترنت لتكون ضرورة لنقل القضية إلى الآخرين، حيث تمثل هذه الأغنية إحدى الصور التي تشترك في التعبير الإنساني العام. ومن الجدير بالذكر أن ما يربو على ٧٠٠ ألف متصفح للإنترنت قد شاهدوها على اليوتيوب، وأكثر من ٢٥٠ ألف قام بتنزيلها من الإنترنت، وأكثر من ١٠ آلاف رسالة إلكترونية وصلت للمغني داعمة مثنية عليه ومؤيدة. (١) وهذا يعكس أولوية التحرّك في الخطاب مع الآخر ضمن القواسم الإنسانية المشتركة، وضمن الأدوات التي يتفاعل معها الآخر ويندمج، فهناك مجتمعات تميل إلى المصدر السمعي من خطب وكلمات وغيرها، وهناك من يستسيغ صورة الغناء والفن كطريقة لها تأثيرها في التفاعل وزرع الأسئلة والبحث عن الواقع। وبالتالي تتعدد طرق التواصل مع الآخر عبر الفضاء الأوسع "الإنترنت"، وكما قيل في الحديث المروي "خاطبوا الناس على قدر عقولهم"، ومن أبجديات الخطاب مع الآخر معرفة ما يميل إليه وما يتفاعل معه سلباً أو إيجاباً. لقد أصبح العالم أكثر وعياً وأكثر قرباً كبيوت الجيران المتلاصقة، وما علينا إلا زيارة الجيران وإخبارهم بما يجري دون إيكال هذا الأمر إلى الآخرين، الذين بإمكانهم تشويه صورتنا وتحويلنا إلى "غول" أو "عدو" يريد الموت للآخرين। ومع مستوى التدني في المستوى الرسمي العربي في الإعلام، إلا أن الحركة النشطة والمبدعة في بعض تجاربها للخطاب مع الآخر هي وليدة الظروف والضغوط والحاجة، وتحتاج للوقت لصياغتها بصورة أكثر تفاعلاً ولتمتد اتساعاً مكانياً وزمانياً في الإنترنت وغيرها من سبل التواصل مع الآخر (الجاليات، الأندية، الجامعات، السفارات، إلخ)।
ولك في الإنترنت حياة لقضايانا صورة وصوتاً وحركة، إذ يمكن مد جسور التفاهم والحوار وطرح القضايا التي لا غبار عليها، كقضايا إنسانية خالصة صرفة مع الآخر، وخصوصاً ممن يمثلون وزناً سياسياً أو فنياً أو ثقافياً وحتى رياضياً، لتتحول تلكم القضايا إلى موضوع حاضر في الأذهان والخواطر كمقدمة للأرضية اللازمة للتغيير. وما يزيد الأمر جدية في العمل به هو وجود صف من المثقفين والفنانين والمفكرين في الطرف الآخر من المعادلة يشجعون القضية ولا تأخذهم في قول الحق لومة لائم، ويحضرني هنا ما قاله الممثل الأمريكي عن العرب والربط الشرطي السلبي الدائم بين العرب والإنسان السيء في أحد المقابلات التلفزيونية، حيث شدد على نفي الربط السلبي ذاك، وقد لاقى استحساناً ملفتاً من الحضور ومقدمي البرنامج. (٢) وغيرها من التجارب الإيجابية التي ينبري بها مفكر في أمريكا أو فنان في وسط أوروبا، وهكذا ترتفع أصوات إنسانية محايدة مائلة للحق مدافعة عن القضايا الواضحة، وأولئك من الأهمية بمكان حيث يكون لزاماً على الخطاب "الإنترنتي" -إن صح التعبير- أن يكون برفقتهم داعمين موضحين لهم الأمر على طول الخط، وذلك عبر العديد من أدوات التواصل، من بينها (الفيس بوك، يوتيوب. سكند لايف، إلخ)، لتكون هي البوابة الأخرى التي تنفتح على قضايا العالم العربي والإسلامي دون المرور من البوابة الأمامية لإعلامهم الرسمي والمؤسسي المحكوم بالمصلحة والحسابات الشخصية. ويتعدّى الأمر عند البعض من القول إلى الفعل، كوزيرة الاقتصاد والمال النرويجية "كريستين هالفورسن"، والتي أيدت مقاطعة المنتجات الإسرائيلية تضامناً مع الفلسطينيين، وقد صرحت "هالفورسن" لصحيفة «داغبلاديت»: «لم أشتر منتجات اسرائيلية منذ وقت طويل، ومن الطبيعي ان ادعم حملة حزبي لمقاطعة المنتجات والخدمات التي مصدرها اسرائيل». وقد انضم حزب اليسار الاشتراكي الذي تنتمي اليه ويشارك في الائتلاف الحكومي اليساري الى جانب منظمات عدة خصوصا نقابية، الى حملة «قاطعوا اسرائيل» التي أطلقها فلسطينيون تنديدا بـ «السياسة الاسرائيلية الفظيعة والمناقضة لحقوق الانسان بحق الفلسطينيين». ومن الجدير بالذكر ان برتقالا اسرائيليا تم تقديمه خلال المؤتمر الوطني لحزب اليسار الاشتراكي ، وما ان عرف مصدره حتى سحب فورا. (٣)
كان ذلك قبل ٣ سنوات، فما عساها فاعلة اليوم بعد مجزرة غزة؟
فهناك العديد من الشخصيات والمبادرات المنصفة في العالم الغربي، وما علينا سوى دعمها وتشجيعها لتكون صوتاً في قلب تلك المجتمعات، والتي تلعب حكوماتها دوراً رئيسياً -للأسف- في الكثير من قضايانا. وعلى عاتقنا كسر الحاجز النفسي والإقتراب منها لتسمعنا ولتتحول قضيتنا إلى جزء من اهتمامهم، لأنها إنسانية ومنطقية في الدرجة الأولى، وتمثل وسائل الاتصال الحديثة وطرق التعبير المبتكرة رُسلنا إليهم، وهم قد ردوا بمبادرات فردية كتلك الأغنية وذلك التصريح وهذا الموقف، وغيرها العديد، وليتحول شعارنا كما هو "هيهات منا الذلة" في طمس قضايانا ومأساتنا، لتكون هي الرديفة عندهم। وما يتمخض عنه الإنترنت بفضائه الواسع يُشير إلى تحركات إيجابية وجيدة من العرب والمسلمين إلى أخوتهم في العالم كله. فهل لتلك الأغنية من أخوات أو صاحبات فن ورسالة؟ علينا العمل لتظهر الإجابة.

(١)
http://michaelheart.com/
(٢)
http://www.youtube.com/watch?v=5SzjBNTJpkU
أو البحث عن هذه الكلمة
Ben Affleck defends Arabs
(٣)
الشرق الأوسط
الجمعـة 06 ذو الحجـة 1426 هـ 6 يناير 2006 العدد

هيتَ لك




جعفر حمزة*
التجارية ٢١ يناير ٢٠٠٩م

لم تكن بحاجة للتودد إليه، فهي فاتنته وحبيبته بل وأكثر، لذا فهي "واثقة" من أن عينه لن "تزيغ" عنها، فكانت كما أرادت. إنسان محب عاشق لها يسايرها ويماشيها ويستلذ بصحبتها في أي وقت وفي أي مكان.
وقد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فظنت أن صاحبته السمراء الجديدة -القديمة- عليه، قد تعكّر صفو الود والصلة بينها وبينه، فصاحبته تصبح وتمسي عليه من خلال نشرات الأخبار والصحف، وقد تحضر معه في المسيرات وأحاديث الناس في مجالسهم "الإسمنتية" أو "الإلكترونية"، فأصبحت -أي صاحبته السمراء- مدار الحديث والإهتمام.
فهي -قضية غزة- بل وفلسطين كان لها الحضور الفاعل في الفترة الأخيرة من تفكيره في غدوه ورواحه، إلا أن تلك "الفاتنة الأولى" لم يرمش لها جفن؛ لثقتها بأن "فتنتها" و"جاذبيتها" كفيلة بأن تُعيد ذلك الإنسان إلى جدوله اليومي و"روتينه" المبرمج معها. فهي تكون معه في أكله وشربه ولباسه وتنقله ووسائل اتصالاته، بل وحتى في أغراضه الخاصة جداً جداً، فكيف له بالابتعاد عنها أو "مقاطعتها"؟ فالأمر بالنسبة له شبه محال، إذ لا يقدر العيش بدونها وأنّى له ذلك؟ فهي معه من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، فكيف الخلاص منها؟ ولم يريد الخلاص أصلاً؟

تلك هي الماركات والعلامات التجارية التي نسجت حياة صاحبنا اليومية حتى غدت "الحمض النووي" فيه، بل و"الهواء" الذي يتنفسه. فهل تسأل أحداً الكف عن التنفس؟

لم يكن صاحبنا متحيراً لتلك الدرجة، فهو -كما يتصور- يجوز له الإقتران بأكثر من واحدة، وهذا ما حصل، فاقترن بمأساة غزة سمعاً وهو يرتشف "حبيبته" القهوة من "ستاربكس" طعماً، وبعد أن أنهى بعض مسيرته مشياً، عرّج على "بيبسيته" أو "كوكلته" شرباً. ،هكذا يصبح الجمع بين الضرتين جائز، بل وواقعي، فلا ضير أن ترضي إحداهما ليلة، وتكون الليلة الأخرى من نصيب الثانية. بل لا مانع من أن يجمعهما معاً في وقت واحد. إذ يمكنه رفع صوته "مناصراً" لصاحبته الأولى "قضية غزة وفلسطين"، ويقبّل الأخرى بعدها بشربه السجائر الأمريكية بعد أن منح حنجرته "وقتاً مستقطعاً" لإكمال مسيرة "حبه" لصاحبته السمراء.

وقد تجرأت بسؤال أحد أولئك الجامعين بين الإثنتين بالقول "أتحب فلسطين؟"، فرد بضرس قاطع بالإيجاب وهو يرتشف إحدى المنتجات الداعمة للكيان المحتل الغاصب، وعند سؤالي الثاني عن قدرته على الجمع بين "الضرتين" هوى صعقاً مستنكراً بالقول "أتريد منا أن نموت؟ أو نرد على أدبارنا بركوب الجمال والحمير؟". ولم أعرف لإجابته مغزىً سوى أن الصاحبة الشقراء القادمة من الغرب قد "لحست عقله" كما يقولون وأخذت منه كل مأخذ، حتى أصبح الحديث عن مقاطعة المنتجات الأمريكية ضرباً من "اللاواقعية" و"اللامنطق" و"الكلام الحماسي" و".." القائمة تطول.
إذن عليكم بقراءة الأسطر التالية لنعرف إن كان "قيسنا" يستطيع العيش بدون "ليلاه" الشقراء أم لا؟

ذكر السيد "آن ماك"الخبير في اتجاهات التسويق في وكالة الإعلانات الأمريكية العالمية "جي دبليو تي" في تقريره الخاص بسوق المسلمين في العالم، بأن الإهتمام في اتجاهات التسويق والإعلان والترويج في تلك السوق مهمة جداً لمعرفة نوعية الخطاب الموجه لتلك الفئة المستهلكة الضخمة، والتي تتميز بوجود خلفية ثقافية دينية يجب معرفتها، لفهم مفاتيح الخطاب الإعلان والتوسيقي لهم. وقد أفرد دراسة بهذا الخصوص.
ولا غرابة في ذلك إن علمنا بأن تعداد المسلمين في أمريكا يبلغ ٨ مليون مسلم، ويتجاوز المليار و٦٥ مليون مسلم حول العالم، أي ما يعادل ٢٠٪ من كثافة السكان في الكرة الأرضية.

وعوداً إلى صاحبنا الجامع بين الشقراء والسمراء، فإن كانت سوق المجتمعات الإسلامية لها هذا الحضور كقوة شرائية يُحسب لها وتفرد من أجلها الدراسات، وتقام على شرفها معارض المنتجات الحلال في الأسواق الأجنبية قبل الإسلامية، فهذا مؤشر على قوة اقتصادية "مستهلكة" ضاربة، يمكن الاستفادة منها عند توجهيها بالطريقة الصحيحة في إعادة التفكير لسياسات الشركات الأمريكية والغربية الداعمة للكيان الصهيوني والعاملين ضد قضايا الأمتين العربية والإسلامية بصورة عامة.

فإذن لدينا القوة العددية التي لا يُستهان بها، ولا نسأل للعودة إلى الجمال وركوب الحمير، بل العودة إلى الضمير وحساب الربح والخسارة لتشكل قوى ضغط يصل صوتها إلى مسامع من يحولون مصادر ثرواتنا الطبيعية إلى علامات تجارية تُباع لنا مرة أخرى. لم نسأل مقاطعة برامج الحاسوب الضرورية ولا المنتجات الإلكترونية ولا كل ما من شأنه أن يُبطأ من سير حركتنا نحو العمل والتطوير، ما سألناه هو أن نقطع صلتنا بتلك "الفاتنة" لنا كل يوم من مشروبات غازية وسجائر ومطاعم. أفكثير هذا على ما ندعيه من وصال بها ليلاً ونهاراً؟
فتلك الأمور ليست ضرورية للمعيشة، فما بالنا قد أخذنا الهوس والشغف بالشقراء حتى بتنا لا ننام إلا معها ونصحو عليها كل يوم؟

إنّ المعادلة أسهل مما نتوقع، فهناك دورة حياة للمنتجات تنتهي عندي أنا وأنت -أي عند المستهلك-، وعندما تمتنع عن شرائها فإنك بمثابة من قطع الحلقة الأخيرة من سلسلة المنتج، فبعد التصنيع والتسويق والترويج والشحن يكون الأمر بيدي وبيدك لأن نقطع تلك السلسلة، وخصوصاً لمنتجات لها اليد الطولى في مساعدة الكيان الصهيوني المحتل. إلا أن البعض لا يريد "وجع الراس"، حيث يقول "وما الذي سأحدثه من فرق؟، فهناك غيري يذهب لهذا المحل ويشتري ذلك المنتج. فما الفائدة؟".

ونقول إن غياب الشعور بإحداث الفرق ولو بصورة بسيطة، فضلاً عن تحجيم قدرتنا الشرائية التي بمقدورها أن تغير الأرقام ولو جزئياً، هو وقود استمرار ذلك "الإنجذاب" نحو تلك الماركات، كالذي هام حباً في امرأة ويعتقد أن العيش من دونها محال.

وبالرغم من وجود دوافع المقاطعة من قبل ٢٠٪ من سكان العالم تجاه تلك البضائع التي تدعم كياناً غاصباً محتلاً، إلا أن الصورة غير مكتملة الملامح في ظل غياب وعي شعبي مدروس، ومرجعية اقتصادية واقعية، فضلاً عن تقاعس اجتماعي يشترك فيه المثقفون والاقتصاديون وعلماء الدين والإعلاميون. فهي رسالة مفادها أن الشقراء لم تعد مالكة القوة في القلوب، وقلوب من؟ أكثر من مليار مسلم يضخون المال لشرايين صناعات تساهم بطريقة أو بأخرى في دعم "فيروس قاتل" بالمنطقة؟

ومع ذلك، تتربع الشقراء بمنتجاتها على القلوب، وتقول لك دوماً عندما تقترب منها شراباً ومأكلاً وملبساً، تقول فاتحة ثغرها "هيت لك". فهل تستجيب؟


* مختص في ثقافة الصورة والاقتصاد المعرفي

اجلسي على قارعة الطريق




جعفر حمزة*

التجارية ١٤ يناير ٢٠٠٩م

لم أشأ النظر لها، بل حتى الإقتراب منها، فهي لم تفهمني، ولم أفهمها.
فلم التقارب إن كانت لغتها لا تشترك حتى في حرف واحد أو بمخرج لفظ واحد من لغتي؟ فتركتها على "هواها"ترتع وتلعب. وكان ديدنها التحدث بلغة لا أفهمها، بالرغم من كوننا على أرض واحدة ونعيش ذات الأحداث ونتنفس نفس الهواء، فازداد عجبي منها وازدادت هي ابتعاداً مني. حتى أتى ذلك اليوم الذي ظننتُ فيه بأنها ستتفهم وتعاود التفكير مرة أخرى في لغتها الغريبة عني. فمر موسم محرم الذي يشترك فيه الجميع من القيادة السياسية وحتى أصغر طفل على أرض هذه الجزيرة، ولم تلتفت إليه، بل تجاهلته سلبياً، وبالرغم من أن موسم عاشوراء يمثل تظاهرة ثقافية بمختلف صورها، والذي يميز البحرين عن بقية دول العالم الإسلامي في هذه المناسبة هو مقدار نتاجاتها الثقافية وصورها التفاعلية في هذا الموسم.
ومع ذلك نأت "شاشتنا المحلية" عن العروج علي المناسبة بما يليق. بل وتأصلت لغتها "الغريبة" عندما تجاهلت كل الحراك المجتمعي والذي تفاعل مع مأساة غزة. من مسيرات وندوات وتجمعات وغيرها.
حتى باتت نسيباتها من الصحف أقرب ملامسة لما يجري وقعاً وتحليلاً وعرضاً، أما هي "تلفزيوننا الوطني" فهو أبعد ما يكون عن الشارع المحلي فضلاً عن الشارع العربي.

فهل بالغتُ في تأنيبها والتطاول عليها؟
لا يبدو لي ذلك، خصوصاً عندما اسأل الكثيرين من المسن إلى الطفل الصغير، هل تتابع شاشتنا المحلية، فيرد ضاحكاً مستهزأً "ومن يتابعها"؟ فأصبحت كالمركونة من ضمن أثاث لا يتم استخدامه، فضلاً عن النظر له، فالصور أربع، ولنرَ من أي صورة تنتمي لها شاشتنا المحلية؟
فالتحوّل الحاصل في عالم الصورة ينقسم إلى التالي:

أولاً: هناك صورة من صوت واحد، ولكنه يكون كالمرآة الذي يعكس ما يجري في الطرف الآخر (المجتمع).
ثانياً: وهناك صورة من صوت واحد صماء، لا تعكس إلا نفسها.
ثالثاً: وهناك صورة تفاعلية بحدود معقولة تسمح للتفاعل من جميع الأطراف، ليأخذ كل دوره في تقديم الصورة.
رابعاً:وهناك صورة تفاعلية يصنعها المجتمع من الناس، وهي بمثابة "الهايد بارك"، من خلال تقنيات حديثة باتت في متناول الجميع، بل أصبح الناس يصيغون الصورة ويقدمونها لأنفسهم وللآخرين، من خلال اليوتيوب، والعديد من الخدمات والتقنيات الجديدة.

ويبدو أن الصفة جاهزة لصاحبتنا الفضية "الشاشة"، فهي صورة لذاتها فقط، ويبرز السؤال حينئذٍ عن أحقية الاستمرار في هذا النهج البعيد عن ملامسة الواقع بشقيه الداخلي والخارجي. فإن كانت صاحبتنا ضمن قطاع خاص، لخففنا العتب قليلاً، ولقلنا هذا شأن خاص ويعكس رأيه، ونحن في زمن الحريات، ولكن أن تتحول قناة رسمية، والتي من المفترض أن تمثل الشعب بواقعية موزونة إلى أداة للتهميش، فضلاً عن الدخول في دائرة تهديد الوحدة الوطنية، من خلال ما بثته في عاشوراء من لقاءات تمس معتقدات الكثير من الشعب البحريني. فما الذي تنويه صاحبتنا لي ولغيري؟

ومن جهة أخرى، وفي ظل التطورات السريعة على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي والذي أخذ البطء في الحركة والاستيعاب من نصيب صاحبتنا الفضية، يبقى السؤال البديهي، هو في أحقية تخصيص ميزانية من أموال الشعب والتي تديرها الدولة ليتم ضخها في جهة إعلامية رسمية دون حتى العمل بوتيرة تتناسب مع الواقع الداخلي، فضلاً عن الخارجي؟
ولا يمكننا إغفال بعض "الخطوات" التي يُشاد لتلك الشاشة، إلا أنها نزر يسير، في قبال الكم الهائل من التجاهل والبطء اللذين باتا رفيقا درب صاحبتنا.

ولعلم التي لا أعيرها اهتماماً حتى بالنظر لها من طرف، فإن حراك الصورة من داخل المجتمع بات أقوى، وقطار التقنية السريع والذي يخطف الأبصار بسنا ضوءه بات أوسع، فأخذ الأفراد أخبار صورهم من المنتديات وغيرها من تقينات البث المباشر والمتابعة، فضلاً عن بحر لجي من الأساليب الجديدة في طرح الصورة، من "اليوتيوب" و"جوست" و"الفيس بوك" و"ماي سبيس"، وغيرها الكثير، مما يركن صاحبتنا على قارعة الطريق لتُحاكي نفسها لا غير.
وفي حال أردنا المضي قدماً في بيان الصورة بواقعيتها وحدثها، لا يكفي "حقن" صاحبتنا بالأجهزة الحديثة والوجوه "السمحة"، إذ لا بد من "معرفة" و"تطبيق" و"حيادية" تضمن وجود "مشاهدين" -على الأقل- لهذه الشاشة. ومتى أُجريت آخر احصائية تبين حجم مشاهدي تلفزيون البحرين؟
نحن نتحدث عن واجهة بلد، وهي التي لها دور -كما أتوقع- ضمن الرؤية الاقتصادية. ولا أدري إن تم إدراجها ضمن تلك الرؤية كقناة إعلامية للترويج وتفعيل الرؤية من خلال إعلامها. وإن كان ذلك، فمن هي الفئة المستهدفة؟
البحرينيون، إذن ينبغي مراجعة هذا الخيار مرة أخرى.
لخارج البحرين، فليكن، إذ ما نفع أي خطوة دون مشاركة فاعلة من المجتمع وأفراده فيها؟
ما سردناه من "سيرة" صاحبتنا هو غيض من فيض ينبغي دراسته وبتأنٍ كبير، للخروج من "ثقب أسود" يصرف المال ولا يعطي للمجتمع سوى الذبول. بل وعدم الإهتمام.
وسلوك صاحبتنا قد يصلح لقناة خاصة، أما أن تكون واجهتنا الوطنية، فعذراً صاحبتي، فلست الشخص المناسب لمرافقتك، فضلاً عن النظر لك، فاجلسي على قارعة الطريق، فلا يمكنني أن أقبل أن تكون لي صوتاً أو صورة أو طعماً أو رائحة। عذراً.
* مختص في ثقافة الصورة والاقتصاد المعرفي.

عاشوراء، حركة تغيير في السلوك اللباسي





عاشوراء، حركة تغيير في السلوك اللباسي

قراءة في حركة لباس محرم وتجاذباتها المعاصرة

الجزء الثالث

جعفر حمزة*

نشرة عاشوراء البحرين، العدد ٥

تشكل المواسم الدينية كغيرها من المواسم في الكثير من المجتمعات البشرية "ساحة" تتفاعل فيها الكثير من العوامل الاجتماعية، والتي تقتضي "حركة" مالية نتيجة وجود تلك المواسم، حيث أن خصوصيتها تفرض نمطاً معيناً من "الاستهلاك"، وبطبيعة الحال تمثل دراسة تلك الخصوصية أهمية لتوظيف تلك الحركة المالية لتصل إلى مرحلة "الإنتاج"، وبالتالي تتكون الاستفادة الذاتية من المواسم الدينية

في هذه الحلقة نستعرض الجانب "التجاري" من "سواد عاشوراء" عاشوراء والسواد من المواسم التي ما زالت علاقتها قوية باللباس وتحتفظ "بنكهتها" المميزة، هو موسم عاشوراء عند المسلمين الشيعة منهم والسنة، حيث إن العلاقة بين عاشوراء والسواد بات في أصل التكوين الثقافي والفكري بدءً من وجوده كرمز للحزن في الأبيات الشعرية ومروراً بإظهاره من خلال اللباس والأعلام ووضع السواد في الأزقة والشوارع.
واللباس كالكائن الحي ينمو ويتطور وتنتكس صحته ويقوى ويشيخ ويموت، وتمتد "حياة" اللباس بتحقيق ثلاثية تبدو لأول وهلة بأنها طبيعية، إلا أنها معادلة بالإمكان تطويرها وضخ المزيد من مفردات الاستمرار فيها. والثلاثية المرتبطة بحياة اللباس هي:
أولاً: استمرار وجود الأصل الدافع للباس ذكراً وممارسة، وفي الحالة العاشورائية يتمثل ذلك الأمر بسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، والذي يكفي للمتتبع المنصف الوقوف بأعجوبة استمرار ذكره بهذه "الحُرقة" إلى يومنا هذا، وهي المنبع الأول للكثير من القيم والمباديء التي تصيغ المجتمع، وبعبارة أخرى فإن حديث "إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً"، ليست إنشاءً أو توصيفاً وقتياً، بل هي امتداد حقيقي نعيشه كل عام في إطاره الزمني الخاص "محرم وصفر".
وكما للحج لباسه الأبيض الذي لن يتغير مع الزمن في علاقة أصيلة بين موسم الحج و"الإحرام الأبيض"، كذلك هو اللباس الأسود "الحزين" الذي أُتخذ شعاراً لتذكر واقعة الطف بما تحمله من قيم ودروس وأحزان أيضاً للمسلمين بل وكل إنسان حر في الحزن على حفيد الرسول الأكرم (ص)।
ثانياً: ممارسة التعامل مع ذلك الأصل، وهذا يتمثل في المراسم الحسينية، وهي صيغة أخرى حركية للآية الكريمة "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" ووجود التقوى في القلوب يستلزمه "حفظ" السلوك من خلال الشعيرة نفسها، وبالتالي الاستمرار في إحيائها من خلال "التعظيم". وقد تهتز الصلة الوثيقة بين استمرار وجود الأصل وممارسة التعامل، وذلك من خلال وجود "التشوهات" في ممارسة إحياء الشعائر، وبمرور الزمن تُلقي بظلالها على صورة الأصل الدافع للشعيرة. ويعتبر هذا الأمر من العوارض الطبيعية التي تطرأ على اللباس، مَثَلَه مثل الإنسان الذي يتبنى "آليات" جديدة لإظهار فكره ومعتقده، إلا أن الخطورة في الأمر أن تشوه تلك الآليات المُختارة ملامح الفكر.
ثالثاً: التجديد في طرح الصورة "الثابتة" لمعنى الرسالة في عاشوراء. وذلك لضمان بقاء روح الارتباط بالشكل الرمزي لجو عاشوراء دون تشويهه وإدخال مفردات غريبة عنه. وما الحاصل من لباس "مستغرب" كالتي تحوي أشكال ورموز وكلمات غربية، ولا يشفع في لبسها في الموسم الديني سوى لونها إلا دليل على فقر في الساحة من تقديم البديل الذي يهب اللون حركة، ويعطي للباس قوته، في الوقت الذي يشعر معه الفرد بانتمائه وهويته الخاصة. مكياج غير صحي للأسود وفي هذا السياق، نرى أن "السواد" في صيغته العامة ما زال محتفظاً بهيبته الخاصة لشهري محرم الحرام وصفر، إلا أن مساحة تغيره أصبحت واضحة على صدور الكثيرين، وذلك من خلال الكثير من النماذج التي اتخذت السواد "حصان طرواده" لتمرير العديد من الرسائل المختلفة المحتوى والمضمون، وبالتالي ابتعاد السواد لباساً عن المحتوى الحسيني، وعندئذ ستنخر تلك الصور والرسائل روح "السواد" الحسيني، ويتحول اللباس الأسود من رمزية دينية إلى رمزية احتفالية تفتقد المعنى الديني الملتزم فيها.
وعندما يتحول الرمز الديني إلى إحتفالية صورية فقط، ستُخدش القيم المرفوعة في ذلك الرمز الديني، ولا أدل على ذلك من بعض الثياب التي يرتديها البعض وتحمل رسائل وصور لا علاقة لها بالجو العام لشهر محرم، حيث يحتوي بعضها على كتابات أجنبية وبعضها الآخر رسومات لثقافات غربية।
ويأتي السؤال في أهمية اختيار السبيل الأنسب للحفاظ على الروح الدينية للمناسبة، وفي الوقت ذاته تُقدم بطريقة عصرية حديثة مرغوبة وجذابة، حيث لا انفصال بين الحداثة والأصالة في اللباس، لا فكراً ولا سلوكاً ولا تطبيقاً. وذلك عوضاً عن ارتداء ما يتم طرحه في السوق من ألبسة سوداء، بغض النظر عن نمط الرسالة المكتوبة أو المعروضة، وفي ذلك تحدٍّ كبير ودافع لتقديم البديل فيما يخص الثياب في المواسم الدينية، سواء الحزينة منها أو الفرحة. والمقومات موجودة لطرح مثل هذا المشروع، فالقاعدة المستهلكة لهذا النوع من المنتجات "الثياب السوداء" موجودة، وجودة التصنيع متوفرة، وما علينا إلا صياغة "ماركة" يمكنها أن تحل مكان المطروح في الأسواق، وخصوصاً للمجتمعات المحافظة. ويمكن اعتبار مشروع "البديل" والذي طرحته شركة "إسلاميديا" من خلال منتجها الجديد "نبراس" تجربة تستحق التقدير والإشادة والدعم، وقد سمعت الكثير من التعليقات المشجعة على هذه الخطوة، مما يشير إلى مقدار الفراغ الحاصل في السوق بالمجتمعات المحافظة، والتي تريد أن تواكب العصر وتحتفظ بالهوية في نفس الوقت، وذلك ممكن وبطريقة محترفة أيضاً إن أحسنا التخطيط وقدمنا البديل المنافس والأقوى. فهل نرى نماذج لألبسة خاصة لعاشوراء بطريقة عصرية؟
بل هل يمكن تخيل أن تقام عروض "fashion Show" تحمل من القيم ما تمثل نقلة نوعية في التعامل مع لباس يمثل فاعلاً مع أعظم احتفالية دينية باقية لحد الآن، وهي ذكرى ثورة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) حفيد خاتم الأنبياء، ليكون منطلقاً للتغيير وإحداث تلك النقلة النوعية في التعامل مع اللباس بصورته التي تحمل القيم والرسالة من صلب ثورة وقيم الإمام الحسين وهي لب كل القيم الإنسانية الأصيلة।
فهل يمكننا تحويل اللباس إلى جهاد من نوع آخر ينصر الحسين سلوكاً ولباساً؟


مختص في ثقافة الصورة والاقتصاد المعرفي