وقتي، لِمَنْ العملة الأكثر قيمة ومعادلة التسويق الأكثر تأثيراً ..


ما إن أشاهد أي فيديو في اليوتيوب حتى أُجبر على الانتظار لثوان معدودات مُشاهداً لإعلان قبل أن يمضي ويبدأ الفيديو الذي ابتغيه..
تلك الثواني المعدودات هي قمة جبل الجليد الذي تتبعه سياسات كبرى الشركات من دراسة معمقة في فهم السلوك البشري من أجل “استملاك” أثمن ما يملكه الإنسان “وقته”.

ولا يكون ذلك إلا من خلال شدًّ يستشفع التشويق له سبيلاً، “وهل التسويق إلا التشويق”، نعم، إنه التشويق الذي يشدنا شداً إلى موقع معيّن أو حساب بذاته أو تطبيق “نعتكف” فيه ويتوقف الوقت عنده، ففيه ما يُشبع فضولنا ورغبتنا لننجرف إليه حتى الإدمان، فباتت الهواتف الذكية، هي أكثر قرباً لنا مكانياً وزمانياً كبشر حتى من ملابسنا.

فقد ضاقت الفسحة التي تكون بين الجلوس على الأريكة لمشاهدة التلفزيون وما قبلها أو بعدها لقضاء أمورنا اليومية، فقد تم محو تلك “الفسحة” بامتياز مع وجود ثنائي ذكي “الهاتف والتطبيقات”، حتى بات الهاتف مكوّن أساسي لدى ملايين من البشر من قبل بلوغهم حتى موتهم - إن لم يكن الهاتف نفسه سبب موتهم بسبب انشغالهم به في حوادث مرورية لا حصر لها-.
هذا الإدمان المُجبرِين عليه حتى الثمالة، آت من حقيقة أن الهاتف لن يفارق عدة ملايين من مستخدميه ما إن تفتح أعينهم حتى تخلد للنوم مرة أخرى، والمنافس الوحيد للهاتف هو “النوم” لا غير!


هذا “التكوين” الجديد فينا الذي بات أمراً واقعاً، فتح آفاقاً جديدة لدراسة السلوك البشري في علاقته مع جهاز إلكتروني ملازم له على الدوام “الهاتف النقال”، وهو ما يفتح شهية كبرى الشركات لتسويق أفكارها عبر منتجاتها أو خدماتها، وهذا أمر متوقع بلا ريب.

نحن لا نناقش أخلاقية الأمر هنا بقدر مناقشة آلياته التي باتت أمراً مطلوباً، فما دام الناس منكسّوا الرؤوس لهواتفهم، ملتصقون بها لا تفارقهم، فهو بيت القصيد عند كل مسوّق، وكما نقول فهو “عزّ الطلب”.

ما يريده كل مسوق هو “لحظات” من عندك ليعرض ما لديه إليك، ليشدك إلى باب محل بضاعته. اتذكر عندما كنت أعمل في شركة JWT، وهي من أقدم شركات الدعاية والإعلان في العالم، إذ تُجاري كوكا كولا سنّاً، بأن فلسفتها كانت مبنية على اعتبار أن الوقت هي العُملة الجديدة في عالم اليوم، ومنهجها هي ابتكار أفكار يود الناس قضاء وقت معها.

ليس الأمر بُندرة ما يتم طرحه في السوق، وإن تقدم البعض وسبح في المحيط الأزرق The Blue Ocean، إذ أن عملية التخمة المعلوماتية كافية لاستنساخ التجارب وتطويرها وتفردها بلحاظ عوامل عدّة لا تنتهي.
إن الأمر برمته هو فيمن يشد انتباهك لتعطيه وقتك، فالكل يسعى لحجز مقعده في ساحة وقتك ذات الأربعة وعشرون ساعة.

وما دام الوقت هو بيت القصيد، فدراسات التسويق لدى كبرى الشركات من قبيل JWT وغيرها من أساطين شركات الدعاية والإعلان هو البحث بعمق في جاذبية “الوقت”، سواء من ناحية اختيار “الموضوع - المحتوى” أو اختيار “وقت العرض” في القناة الأنسب لاستهداف الجمهور المعني بالرسالة.

ما نعيشه يومياً هو مقدار المزاحمة الحاصلة في حجز مقعد لبراند ما في قاعة الوقت التي نوفرها لهم، والوقت هي العملة الجديدة التي تتولد من الأفراد للأفراد أو للشركات، فكلما زاد عدد مشاهدي قناة يوتيوب، أصبح للقناة مورد مالي أساسه “عدد المشاهدين” الذين أعطوا لهذه القناة “جزء من وقتهم” فأصبحوا مشتركين فيها ومعجبين بها، والأمر سيان على معظم قنوات التواصل الاجتماعي، فبمقدار ما تعطي لهذا الحساب أو ذلك جزء من وقتك فأنت قدمت عنصراً مهماً من معادلة شد الانتباه والتي تكون السلوك الفردي والجمعي تجاه محتوى ما تقدمه شركة أو براند أو فرد.

إن العملة الجديدة التي تمت صناعتها وأصبحنا جزء منها بل ونساهم في تصنيعها، هو “الانتباه” الذي نقدمه نتيجة “وجود اهتمام” بمحتوى ما نمضي وقتنا فيه، إذ يمكن تلخيص ذلك كالتالي:


Attention=Interest x Time 
( A = I x T ) 

ولا ننسى أن شد الانتباه هي أولى خطوات التسويق الأساسية، إذ يتبعها:
اهتمام و رغبة وفعل ، لتكون ملخصة في كلمة “شارع” بناء على التعريب الذي خلُصنا به، مستلهماً من الكلمات الإنكلينزية بالترتيب التالي:
Attention 
Interset 
Desire
Action 
ويُطلق عليها اختصاراً AIDA.

لو نلاحظ قليلاً أن صناعة المحتوى ونشره في منصات مجانية تماماً “مثل وسائل التواصل الاجتماعي”، أصبح مورداً مالياً لا يُستهان به البتة، وهنا بيت القصيد، حيث أن الناس هي التي تولّد القيمة المضافة للمحتوى المنشور ما إن تهتم به، وتعطيها وقتها، وبعدها تتولد “العُملة الجديدة” التي تُترجم إلى كمية المرور Traffic وعدد المتابعين followers والمتفاعلين من إعادة تغريدة أو اتباع هاشتاق أو وصول موضوع إلى الترند الأول.

وكل ذلك مردّه إلى تلك المعادلة التي تصنع الانتباه، فيندمج الجمهور مع ما يهتم به ويهبه وقته، ويتولّد من ذلك كله أهم العناوين وأكثر ما يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي وتكوين “حديث الشارع”، وزيادة المرور على براند ما، وبالتالي تستمر عجلة توليد العُملة الجديدة موزعة بين زيادة المبيعات لبراند أو زيادة الاهتمام لمحتوى ما أو لشخوص في كل هذه المنصات المجانية، ويُجرّ الأمر ما يليه، فالمحتوى ذو الحضور الكبير يشد انتباه كبرى الشركات فتتخذ من تلك المنصات ومن يسودها سفيراً لها ووسيلة للوصول إلى قادعة جماهيرية أكبر وهكذا، لا تتوقف العجلة في توليد هكذا عُملة نحن صانعوها ومستهلكوها.

نحنُ من نشكل الرقم الأصعب في تكوين هذه العُملة بمقدار ما نتوجه لهذا المحتوى أو ذاك، الأمر ببساطة مرهون بي وبك، فأي جهة تهبها وقتك، تكون قد زدتَ من رصيدها مادياً وحضوراً فاعلاً.

فإن كان على مستوى الفرد، فحريٌ أن تضع عُملتك في مكانها للظفر بما يعود لك مادياً ومعنوياً بانتخابك للمحتوى الأفضل وهو الذي يعطيك قيمة مضافة لمهارة أو سلوك أو فكر أو شعور جيد، وعلى مستوى الشركات، فمن المهم رفع سقف نوع وجودة المحتوى المُقدّم إلى الجمهور.

وتقع الشركات بين إشكالية “محاكاة” ذوق الجمهور الموجود أو تقديم ذائقة جديدة له، وبين المضمون المتوافر والجديد المقترح، يكون على الشركة الرجوع إلى رسالتها وفهمها بعمق، من أجل صناعة محتوى متناسب وذو حضور تفاعلي يمكنه حجز مقعد من وقت الجمهور له.

مدار الأمر برمته في صناعة محتوى يدفع الناس لقاء وقت معه، وعندها تتولد القيمة الافتراضية في المنصات المتنوعة في العالم الرقمي اليوم بشكل خاص.

هناك ٣ أمور مهمة في صناعة المنصات التفاعلية لتكون ذات قيمة عالية للمستخدمين، وهي أساسية في “شد الانتباه” لخلق التفاعل بعد حين مع استمرار العلاقة بين المنصة والجمهور، فكلما ضَمِنَتْ المنصة جمهورها لفترة أطول وبشكل تفاعلي لا يتوقف، كانت قيمتها الفعلية وحضورها في السوق أعلى. 
وتلك الأمور الثلاثة يذكرها كتاب Platform Revoluation لمؤلفيه الثلاثة Geoffrey G.Parker و Marshall W.Van Alstyne و Sangeet Paul Choudary، وهي:

  1. الشد Pull: لا بد أن تشد المنصة كلاً من المُنتج والمستهلك لها لضمان التفاعل بينهما، واستمرار عمل المنصة مرهون بتواجدهما معاً فيها، سواء المُنتج كان محتوى معلوماتياً أو بضاعة أو خدماتية أوغيرها. وهذه مهمة ليست باليسيرة، فهي بحاجة إلى “شد انتباه” للجمهور المستهدف ليدخل ضمن ساحة هذه المنصة.
  2. التيسير Facilitate: وهو بتزويد كليهما “المنتج وامستهلك” عبر أدوات وآليات ليكون التفاعل بينهما مستمراً وحاضراً لا يتوقف.
  3. التناغم والتطابق Match: وهو التوفيق بين المنتج والمستهلك عبر استخدام المعلومات المتوافرة عن كل منهما، لضمان التواصل الفعال بينهما بطرق شتّى ليظفرا بمكافأة متبادلة بينهما.


وببساطة يمكن القول أن المنصة التي تُخفق في “شد” المشاركين لها، ستكون غير قادرة على تكوين الشبكة الخاصة بها لها وهي “أي الشبكة” أهم مكوّن أساسي لوجود أي منصة تفاعلية في عالم اليوم.

ومن اطلع على الكتاب -ويُنصح بقرائته وبشدة- يستلخص منه بقيمة تعزز ما ذكرناه في هذا المقال، وهو العمل على توفير كل الآليات المهمة والفاعلة لضمان أن يَهِبَ الفرد وقته لهذه المنصة أو تلك، وهو بيت القصيد مما يُعمل له من تصميم ودراسة في “شد انتباهك” لأخذك في “حفرة  الأرنب ” The Rabbit Hole وبرضاك طبعاً.

إننا نعيش في عالم التنبيهات Notifications World والتي تظهر باختيارنا طبعاً نتيجة عوامل نفسية واجتماعية وغيرها، مما يجعل حصيلة التشتيت عالية، High Destruction Effect HDE، وبالتالي ما يتبقّى لنا للخلو بأنفسنا هو وقت واحد فقط لا غير “وقت النوم”، وقد ذكر السيد Tristan Harris هذا الأمر بشكل مباشر لا ريب فيه من خلال كلمته في TED، وكانت بعنوان:
How a handful of tech companies control billions of minds every day

حيث يذكر أن كل الشركات الكبرى منها والصغيرة تسعى للظفر بأهم ما لديك “وقتك”، وتسعى لذلك بمختلف الوسائل، ودخلوا في أدق التفاصيل المبنية على علم النفس لضمان “انشدادك” لها، من خلال “التنبيهات” و”الألوان” و”المزايا” المتعددة التي توفرها بدء من هاتفك الذكي حتى وسائل التواصل الاجتماعي، وليست هي آخر القائمة طبعاً.

فالجميع يسعى لتكوين “شد الانتباه Attention” له، لتعطيه وقتك وهي الحاوية التي يكون فيها التفاعل والاستمرار والتواصل وما يتبع ذلك من تحوّل وقتك إلى عُملة في عالم اليوم، إذ تزداد قيمة منصة ما عندما يكون فيها الوقت فيها نوعي وعددي، فالنوعي بلحاظ الفئة المستهدفة والتي قد تكون قليلة العدد كسوق متخصصة niche market والعددي عندما تكون لسوق شاملة Mass Market.

ولا يتكون شد الإنتباه Attention إلا من خلال صناعة محتوى يُولد “الاهتمام Interest” به وبالتالي يكون تمضية “الوقت Time” فيه.

إعلانات الأفلام التي تُقدّم في ثوان معدودات، والإعلانات التجارية والتي لا يتجاوز السواد الأعظم منها ٦٠ ثانية، فضلاً عن تحدي الخمس ثوان التي تراهن عليه آلاف الشركات للترويج ضمن هامش الفيديوهات في اليوتيوب وغيرها الكثير مما يود شد انتباهك له، كل ذلك لأجل “وقتك” الذي يتحول لعُملة تبتغيها الشركات والأفراد على حد سواء.

وإليكم همستان:

لك أيها القارىء، بأن تنتخب بعناية من تقدم له وقتك وانتباهك، فوقتك رقم صعب لا يمكن الاستهانة به، ويتحول لرأس مال لغيرك إن أنت وهبتَه وقتك. فاهتم بما تنتخب من محتوى أولاً وأخيراً. واعرف من تعطيه وقتك “عُملتك”.

ولك كصاحب شركة، بأن تُدرك أن تلك المعادلة بقدر بساطتها إلا أنه يلزمها الكثير من العمل، فصناعة المحتوى هو ما يُشكل الانتباه، ويبقى للشركات خيارين، إما الركوب على موجة المحتوى المطروح -بغض النظر عن مستواه ودرجة السوء فيه من عدمه- لتكون الشركات “تابعة” لنوع المحتوى المطروح، من قبيل الاستعانة ببعض المؤثرين أو تقليد لنمط ما في الطرح لاقى رواجاً، فتكون عملية النسخ واللصق.
وإما تكوين محتوى جديد مبتكر يعكس هويتها ورسالتها بل ويرفع من سقف الجودة والطرح والفكرة، وهذا بحاجة إلى فهم واقعي لهوية المؤسسة ورسالتها والجمهور المستهدف لها من جهة، وشجاعة في الخوض في غمار محيط أزرق جديد في صناعة شد الانتباه، وقليل ما يُقدمون على ذلك.


ويبقى السؤال الأكبر .. لمن تعطي وقتك؟
إن علمتَ أن أهم استثمار ورأس مال تعمل عليه كبرى الشركات في العالم هو السعي لـ “أخذ وقتك”، وعليك حينها بالتسوية، بأن وقتك له ثمن، فاعرف أي ثمن تقايض وقتك به.







Refernces:
1. Platform Revoluation, by:
Geoffrey G.Parker 
Marshall W.Van Alstyne 
Sangeet Paul Choudary

2. TED talk by Tristan Harrisat 

الدعوة للتحليق في المساحة المشتركة






تأملات رمضانية .. امرأة فرعون وطوق النجاة لنبي








وسائل التواصل الاجتماعي.. بين "الشحن" و"التفريغ"..




المعرفة التي بين أيدينا بسعة الكون..
فمصادرها متنوعة لدرجة أن المسح السريع لها 
قد يستغرق عمر الإنسان كله ..

إن حجم ما نستغرقه في "التفريغ" أكثر بكثير مما نستغرقه في "الشحن"، وهذا ما يجهل أكثر نتاجنا المعرفي، الفكري منه والبصري ضحلاً لا يرقى لأن يكون مبتكراً، فضلاً عن إضافته النوعية، برغم توفر المعرفة بأنواعها المختلفة وأبرزها وأقواها "الإنترنت"، الذي حولنا في سواده الأعظم لساحات صراع ومكب نفايات" وكل شيء إلا من كونه مساحة ابتكار وإنتاج حقيقيين.
وجعلنا وسائل التواصل الاجتماعي "مرجعاً" لنا للفكر والدين والمعرفة والعلوم وكل شيء، فباتت تلك الوسائل وجبة fast food التي أدمنّا عليها حتى الثمالة.
حتى بات "التصفح" سواء في وسائل التواصل أو برامجه "عادة" تستنزف الكثير من الوقت، هذا دون حساب وقت "التفاعل" من تعليق أو إعادة نشر.

فما هو التفريغ والشحن الذي نعني؟

التفريغ: كثرة ما يتم طرحه وعرضه، والأساليب التعبيرية أو الاستعراضية من نتاجات بمختلف أنواعها 
الشحن: استلهام المعرفة قراءة واطلاعاً وتأملاً، سواء عبر الكتب أو النت 

لذا لا بد من اتباع أسلوب يُغنيك معرفياً من خلال اتباع خطوات واضحة وبسيطة ومركزة ..
١. انتخاب بحر المعرفة التي تود الإبحار فيه، وذلك بناء على "رغبة أو حاجة أو رسالة" تدفعك لذلك
٢. العودة لمراجع تلك المعرفة من مراكز أبحاث أو مؤلفين 
أو غيرهما ممن يتمتع بمصداقية 
٣. عرض الآراء المتنوعة وإعمال عقلك فيها وانتخاب ما تراه مناسباً مع المرونة في التغيير إذا لزم الأمر
٤. التفريغ يكون بعد شحن كافٍ ليكون على بينة وقاعدة متينة 

أصبحنا سريعي "التفريغ" متثاقلين جداً في "الشحن"، وهذه الهوّة بينهما، شكلِّت معضلة قلة النتاج وضحالة الفكر وإسفاف الطرح.

والحجة الكبرى "النت" الذي يوفر المعرفة بين يدينا كبحر واسع. والرهان فعلينا، إما نهل من العلم، أو ضياع الوقت في دائرة التفريغ لا أكثر ولا أقل.
ونستمر في إدمان التصفح والتفاعل اللامنتج حتى إشعار آخر.