من العُلب المعدنية إلى التجارة الإلكترونية



من العُلب المعدنية إلى التجارة الإلكترونية

جعفر حمزة*

التجارية ١٩ مارس ٢٠٠٨

كنّ أكثر من عشر فتيات قمن بصف بضع طاولات في المجمع، وكنتُ وصاحبي نتجاذب أطراف الحديث، ولم يكن منظرهنّ يلفت النظر، على الأقل بالنسبة لي، إلا أنّ صاحبي المبادر دائماً بالكلام أشار إلى تلك المجموعة وسألني هل تعرف ما سبب تجمهعنّ هنا؟، فأجبت بالنفي، فضلاً عن عدم اهتمامي بالسبب، إلا أنّ صاحبي لم يترك لي فرصة مواصلة حديثنا، حيث قال لي إن تجمع تلك الفتيات منتظم، وهو نفس سبب وجود مجموعة من الشباب قد جلسوا خلفنا مباشرة، وهناك مجموعة ثالثة ورابعة، وقد بدا لي الأمر بأننا الوحيدين من خارج ذلك السرب، وهو ما دفعني لمعرفة الإجابة من صاحبي، حيث قال إنّ ما يجمع كل تلك الفتيات والشبّان هي الربح.
عندها تأملت لثوانٍ سريعة قبل أن يُكمل صاحبي إجابته، حيث لم تبدوا على ملامحي التعجّب مع وجود متغيرات معيشية تتطلب البحث عن مدخول إضافي والابتكار في البحث والتحصيل، ويواصل صاحبي القول، هناك تجارة إلكترونية كما تعرف، وما تقوم به هذه المجموعات في هذه اللحظة هو عرض تلك التجارة على أفراد جدد ليدخلوا ضمن شبكة تلك التجارة، وليأخذ كل واحد منهم نصيبه من الربح حسب شطارته وعلاقاته وطريقة إقناعه للآخرين بالإنضمام إلى شبكته، وتتلخص المهمة في شراء العضو الجديد لمنتج من الشركة صاحبة التجارة الإلكترونية بمبلغ معين على أن يكون تحت فرد مشترك أصلاً، وكلما أقنع العضو الجديد أفراداً في شراء منتجات الشركة فستكون له نسبة أرباح، وكل عضو جديد يأتي من تحته مباشرة أو بصورة غير مباشرة من قبل الأفراد الذين جلبهم ستكون نسبة إرباحه كبيرة بناء على العدد، وهو ما يُسمّى بتجارة الشبكة وأسميها تجارة الجذور، فكل فرع صغير من الجذر سيدر الربح على الجذر الرئيسي الذي تفرع منه.
وقد ذكر أنّ أحد الشباب قد ربح من وراء أحد أصدقائه في دولة عربية مالاً كثيراً نتيجة اشتراك أكثر من ٧٠٠ شخص من تحت يديه بصورة غير مباشرة.

وعندما إنته صاحبي من الحديث وكان ذكياً في اختياره مكان اللقاء، حيث وضعني في وسط التجربة عبر الجو الذي عايشته، وسألني مبتسماً، هل تريد الإنضمام إلى الشبكة؟.
وهذا مثال واحد لأمثلة استرجعتها ذاكرتي قبل أشهر عديدة، حيث تم توزيع قصاصات ورقية في إحدى صلاة الجمعة واختيار الترويج كان موفقاً، حيث تذكر القصاصة إمكانية دخولك في مشروع لا يتجاوز رأس ماله ١٠٠ دينار عن طريق شرائك لشجرة مانجو معدلة وراثية بحيث تنتج طوال السنة ضمن مزرعة في إحدى البلدان الآسيوية، والأرباح تأتيك تباعاً بعد كل صفقة بيع من “شجرتك”، وكلما اشتريت أكثر كان الربح أكبر.
وهناك أمثلة عديدة، سواءً للتجارة الإلكترونية أو تجارة من نوع آخر، مثل تداول الأسهم إلكترونياً، وهكذا تتعدد الأمثلة والشواهد عن طفرة تجارية في متناول الجميع، حيث باتت عملية التجارة وعقد الصفقات ممكناً ويدر أرباحاً ملموسة، كما لمسها صاحبي شخصياً.
وبين كل تلك المبادرات والأفكار، يكون هناك الغث والخدعة والإحتيال. لقد أصبحت التجارة الإلكترونية والتجارة عبر المحيطات مصدراً لدخل إضافي واستثمار متجدد لمن يعرف أساس اللعبة ويتقنها بدقة.

لقد انتقلت عقلية البحث عن مصدر دخل إضافي من جمع الُعلب المعدنية من الشارع والدكاكين قبل سنوات قليلة إلى الإبحار السريع في الإنترنت من شباب لا يتجاوز عمرهم خمسة عشرة سنة. لم يعد الحديث يقتصر على البحث عن دخل إضافي نتيجة الغلاء المعيشي فحسب، بل البحث عن فرص استثمارية ومردود مالي يمكن الحصول عليه عبر معادلة معطياتها الأمور التالية:
وسائل الاتصال الحديث.
العلاقات الشخصية.
التجارة الحديثة.

وتعكس هذه العقلية نمطاً جديداً في أسلوب التعاطي مع المتغيرات المعيشية، والتي أصبحت تتطلب أكثر من سداد المستلزمات الرئيسية للحياة، فحد الكفاف لا يكفي البعض، وبالتالي تتطور الوسائل والأفكار للبحث عن مصدر دخل ثان، وثالث ورابع، وهكذا يصبح ذلك البحث سبباً للإبتكار والتنوع.

لقد شكّل الإنترنت وسهولة التخاطب بين العالم، ضمن لغة واحدة هي لغة الأعمال فرصاً لا تنتهي لمن يفك شفرة الربح والتطور. بالإضافة إلى الاقتصاد العالمي المفتوح الذي لم تعد فيه حواجز أو تعقيدات، فالعالم أصبح مليئاً بالفرص لمن يعرف الباب الصحيح للدخول إلى المستقبل، ونرى شباباً يلبسون ماركات ثياب مشهورة، ويحملون هواتف نقالة من موديلات حديثة جداً، فضلاً عن استعمالهم لحواسيب محمولة جديدة.

وبالتالي تكون معادلة البحث عن مصدر دخل إضافي تتعدّى نطاق المكان والزمان، ليصبح الحديث جارياً في مجموعات شبابية وفي مجالس بيوت في القرى، وأخرى عبر الإنترنت. ومن هنا يمكن الحديث عن فرصاً جديدة معادلتها المعرفة والتوظيف الحقيقي للأفكار، ولئن كانت هناك بعض التجارة الإلكترونية الناجحة والآتية من الخارج، فبالإمكان توظيف الأفكار الإبداعية والبدء بنشرها من الداخل، خصوصاً في ظل تنامي الاستثمار الأجنبي المباشر FDI وتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة وانفتاح السوق، وهو ما يجعل للأفكار الإبداعية بيئة خصبة للنمو والإنتشار.
ولن يكون هناك من يجمع العُلب -حيث تم توظيف عمالٌ لذلك-، بل سنرى من يجمع الأفكار ويروّج لها ويكسب من ورائها ما يتطلّع إليه.

* باحث في ثقافة الصورة والاقتصاد المعرفي.

0 التعليقات: