مليارات بين الوجبات


التجارية ٢٤ ستمبر ٢٠٠٨م


جعفر حمزة*
لم تكن للحيرة من سبيل إليه، فلم يكن يُطيق الإنتظار ليجهز الخبز مع الجبن من الخباز، مقارنة باصبعين من الشوكلاته الجاهزة والمغلفة في مكان بارد في الثلاجة। لذا قرر "قتل" الإنتظار و"دفع" مبلغ إضافي ليحصل على تلك "الوجيبة" التي ستسد جوعه لحين موعد وجبته التالية। ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الأطعمة الخفيفة المملحة (البطاطس، الكورن، المكسرات، بوب كورن)، الحلوى والسناك التي تحوي على الجبن، والسناك التي تصنع مع الخبز، بالإضافة إلى السناك المجمد. تغيرت العلاقة بين الإنسان والأشياء، فبالأمس المتوسط كان الإنسان "يذهب" للشيء ليأخذ حاجته منه، فإذا أراد مشاهدة فيلم أو برامج فعليه أن يجلس ويهيأ الجو للمشاهدة، أما اليوم فقد أصبح التلفزيون بين يديه وطوع أمره، حيث يمكنه وضع التلفزيون في سيارته بل وفي جيبه، والكمبيوتر الذي لم يكن يسع حجرة لاحتضانه أصبح بحجم كف اليد. وتحولت العلاقة إلى أن يكون الإنسان هو مركز الأشياء، ليصبح كل شيء إلكتروني أو طعام أو أي شيء "يخدمه" قريب منه، مع بذله لقليل من الجهد، ومن تلك الأشياء هي "وجبات الطعام"، والتي أصبحت "لصيقة" للإنسان أينما ذهب، فمع كثرة المحلات الكبيرة والصغيرة، فضلاً عن سهولة الاحتفاظ بها. أصبح بمقدور الفرد تناولها في أي وقت لإسكات جوعه. وبعبارة أخرى، إنّ التغير في أسلوب الحياة وعامل الوقت ساهما في تشكيل جديد في صناعة الأطعمة.ومن المتوقع أن تحظى صناعة الأطعمة الخفيفة "السناك" بنجاحات تجارية ملحوظة. وخصوصاً إذا علمنا بأن حجم استثماراتها في تصاعد ضخم، حيث يبلغ حجم صناعتها مليار دولار سنوياً، وهي في ازدياد، منذ أن تحولت إلى سوق يحوي الكثير من الفرص. وتتصارع الكثير من الشركات حول العالم على قلوب و"بطون" المستهلكين للحصول على نسبة أكبر منها أي "القلوب والبطون". وحسب تقرير أوردته مؤسسة "جلوبال إنديستري أناليستس إنكوربوريشين"، فإنه من المتوقع أن يزداد حجم تصنيع الأطعمة الخفيفة "السناك فوود" بمقدار ٩.٨ مليون طن بين الفترة ٢٠٠٧ و ٢٠١٠م. وبزيادة في هذه الصناعة بمقدار ٢٦.٨٪ في نفس تلك الفترة. وستبلغ حجم الواردات من تلك الصناعة ما يساوي ٢٧٨.٧ مليار دولار حتى عام ٢٠١٠م. (١) ومن أكبر أوراق اللعب التي تملكها شركات "السناك فوود" هو الماكينة الإعلانية، حيث تتميز الإعلانات الخاصة بتلك المنتجات بمستوى رفيع من الجودة والحرفية في إيصال الرسالة الموجهة عن المنتج، في قبال غياب حضور إعلاني للمنتجات الغذائية الصحية الطبيعية الأخرى كالفواكه والخضروات ومنتجات الحليب واللحوم بصورة عامة. وقد شكل ذلك موضوعاً جدياً في العديد من الدول الغربية، حيث رفع المهتمون فيها بصحة المستهلك عقيرتهم لمواجهة الحضور القوي لمنتجات "السناك فوود" . وتقدم منتجات "السناك فوود" ماركاتها التجارية بطريقة احترافية كبيرة في التسويق والإعلان وتأسيس قاعدة قوية لهويتها، وذلك من خلال ربط المنتج بقيم تتناسب مع الفئات المستهدفة من التسويق، وعلى سبيل المثال لا الحصر، منتج "سنكرس" مع هويته "لا توقّف"، وتحوله إلى هوية عصرية لها القابلية في "التشكل" مع "الموضات البصرية"، حيث أصبح منتجاً مرافقاً لأحد الأفلام المشهورة "ترازنسفورمورز-المتحولون"على سبيل المثال لا الحصر. وكما أن المنتجات الغذائية عبر ماكينتها الإعلامية تُساهم في تشكيل سلوكيات المستهلكين، فإن وعي المستهلكين يؤثر بصورة مباشرة في تصنيع المنتج من المحتوى والقيمة معاً. فالناس أصبحت أكثر وعياً بصحتها، وما تحتويه تلك المنتجات الغذائية من مكونات، سواء كانت صحية أو معدلة وراثية لها أضرار صحية عليهم على المدى المتوسط أو الطويل. وتمثل السوق الإسلامية إحدى أهم الأسواق العالمية جذباً للعديد من منتجات أغذية "السناك فوود"، بل أن الكثير من الدول العربية تقوم بتصنيعها محلياً، ومن أشهر تلك الدول هي سلطنة عمان، والسعودية والكويت،ومصر وسوريا، وم الدول الإسلامية تركيا وإيران. ونتيجة لتنامي تلك الصناعات على المستوى المحلي في بعض الدول العربية تقوم كبرى الشركات العالمية بتعاونات ثنائية مع تلك الشركات المحلية، منها على سبيل المثال، اتفاق شركة بيبسيكو إنكوربوريشين مع شركة تسالي للأطعمة السعودية، وهي الشركة الرائدة في مجال الأطعمة الخفيفة "السناك فوود" في السوق السعودية، وستكون الشراكة تحت اسم الشركة السعودية والتي يقدر حجم استثماراتها في السوق المحلية بما يعادل ١٠٠ مليون دولار. (٢) وبالرغم من كل ذلك تبقى هناك خطوتين تنقص السوقين العربية والعاليمة الموجهة للسوق الإسلامية. فعلى المستوى العربي، هناك غياب خطوتين مهتمين، هما التسويق المبدع للمنتجات ومنافستها لتلك الأجنبية، وخصوصاً مع وجود كل مقومات التفوق، من ناحية التصنيع والميزانية للترويج وفهم ثقافة المستهلك و"أهل البيت أدرى بما فيه". والخطوة الثانية هو "تقشف" في التعاون الثنائي العربي، سواء من ناحية الشراكة بين المؤسسات تحت مظلة واحدة، أو شراكة تعاونية من حيث تبادل قاعدة المعلومات، خصوصاً إذا كان المنتجين للشركتين يكمل أحدهما الآخر، أو يشكلان ثنائياً جذاباً للمستهلك، كرقاق البطاطس وقضبان الشوكلاته. وأما على المستوى العالمي، فهناك توجه من كبرى الشركات والماركات العالمية لمراعاة الخصوصية للمستهلك المسلم من ناحية المكونات التي يجوز لها تناولها، وخصوصاً إذا علمنا بأن حجم السوق العالمي للمنتجات الحلال يبلغ ٥٠٠ مليار دولار بحلول عام ٢٠١٠م، وهو ما يستدعي طلباً متزايداً على المنتجات الأولية لصناعة الأغذية الحلال حول العالم. ومع ذلك تبقى العديد من الشركات الأجنبية التي لا تراعي هذه الخصوصية، وكأنها تضمن -بطريقة ما- بأن المستهلك سيشتري المنتج حتى لو لم يكن متوافقاً مع مبادئه وقيمه الغذائية فيما يتعلق بالمكونات الحلال، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أقدمت شركة ماستر فوودز البريطانية على استبدال المنفحات النباتية بأخرى حيوانية، وهو ما شكل ضجة لدى النباتيين في بريطانيا، ويذكر الخبر الذي أوردته وكالة "بي بي سي" البريطانية بأن الشركة الأم للكثير من المنتجات، مثل "سنكرس، مارس وتويكس، وباونتي، وملكي واي" ستسبدل الأنفحة النباتية التي يتم استخدامها في تصنيع تلك المنتجات بأخرى حيوانية. (٣) وتستخلص تلك الأنفحة من أمعاء بعض الحيوانات كالعجول والخنازير، لتشكل إحدى المواد الأساسية في التصنيع والذي يدخل فيه الحليب. ومع تنامي فرص الاستثمار والربح في مجال أغذية "السناك فوود" في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بصورة عامة، قد لا يكون المستهلك معنياً بالضرورة بشراكة مؤسات أو إندماجها أو باستثمارات مدورسة في هذا المجال من قبل شركات عربية أو إسلامية، إلا أنه سيوجه نظره-أي المستهلك- إلى تلك المنتجات إذا ما تمت مخاطبته بثلاث كلمات: الجودة في المنتج، والخطاب الإعلاني المبدع والمؤثر، ومراعاة الخصوصية الثقافية بطريقة عصرية وحديثة. وعندها يمكن الحديث عن بدائل ذات مستوى مرموق ومنافس في سوق تنتعش يوماً بعد يوم، وإذا لم يأخذ صاحبنا قطعة الخيز مع الجبن، والتي يمكن أن تكون منتجاً في المستقبل القريب، فلا أقلها أن يأخذ منتجاً عربياً أو إسلامياً يضمن مصدره ويتمتع بتناوله. لقد انعكس رتم الحياة السريع والمتغير في العمل والعلاقات الفردية، فضلاً عن تحول معظمنا إلى ما يشبه "الأسفنجة" بما نتلقاه من صور متتابعة عبر الإعلام بجميع وسائله، لقد انعكس ذلك في تشكيل سلوكنا اليومي اللغوي والبصري والغذائي الرئيسي منه "الوجبات الرئيسية" لتتحول إلى الوجبات السريعة "الفاست فوود" والفرعي" إلى طعام خفيف "السناك فوود" أو الوجبة الخفيفة، والتي يتم تناولها بين الوجبات بطريقة سهلة وسريعة، وتحوي الكثير من المُحليّات والمواد الحافظة.

* مختص في ثقافة الصورة والاقتصاد المعرفي।



(١)
http://snack-foods.co.uk

(٢)
www.foodnavigator.com



(٣)
http://news.bbc.co.uk/1/hi/business/6653175.stm









1 التعليقات:

  غير معرف

١٠ أكتوبر ٢٠٠٨ في ١:٥٨ ص

جعفر الغالي (أبو حيدري)،
طالما عرفتك فكرا متوقدا متجددا عصيا على التكاسل والانهزام، ولطالما أذهلتني أفكارك وكتاباتك ومواضيعك المتميزة...

الله لا يحرمنا منك يالخال :)

هيثم الحداد