هل نكتفي بالرائحة؟


اقترب على وجل لعل وعسى أن يصيب منها ما يروم، ولمّا اطمأن بأنه في “حضرتها” وقد لامسته بل وأشعلت في نفسه الرغبة فيها من خلال رائحتها المميزة، أخرج من تحت ثيابه ما يُسعفه لاستلطافها وتذوقها، بل والتهامها।



ومنّى نفسه بلقائها هي لا رائحتها فقط، وأنّى له ذلك ولن يطال منها سوى رائحتها التي جذبته من بعد مسافة؟ فرائحة الشواء لذي بطن جائع كالماء لمن جف ريقه وتخشّب لسانه. وما أخذه للرغيف اليابس معه إلا لاستمام ذلك التمنّي وإكمال مسرحية المائدة لديه.

فلفقره أخذ يأكل رغيف الخبز على رائحة الشواء، إلا أن الأمر لم يطل، حيث طالب صاحب المطعم هذا الفقير بدفع ما “استمتع” به من رائحة الشواء، وبعد رجوعهما للقاضي، استلم صاحب المطعم قيمة الشواء برنين المال دون لمسه.

ويبدو أن سيناريو الشواء قد أخذ محله في الكثير من المناطق على أرض هذه الجزيرة، فبالرغم من تبوأ البحرين لمكانة معروفة في جذب الاستثمارات الأجنبية

“FDI”

بل وتميزها على مستوى المنطقة وربما العالم في جذب البنوك الإسلامية وانتعاش سوق الصيرفة الإسلامية فيها، حيث تُعتبر البحرين أكبر وربما من أفضل المراكز الاستثمارية للصيرفة الإسلامية حول العالم، وذلك نتيجة التسهيلات والتشريعات والمميزات التي تُنعش هذه السوق، وقد فتحت الباب على مصراعيه لاستئجار الصكوك الإسلامية والتي تدر هي الأخرى سيولة ضخمة للبلاد. ولسمعتها في جذب الاستثمارات الأجنبية بصورة عامة.

ولا يخفى على مطلع ومتابع البيئة الاستثمارية المميزة لمملكة البحرين في جذب الاستثمارات الأجنبية، والتي تمثل سياسة حكيمة من أجل توزيع البيض على سلال أخرى غير سلة النفط كمصدر للدخل، والتعدد في ذلك مطلوب في ظل التغيرات والتطورات المتسارعة في المنطقة والعالم.

ومن المعروف أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تهدف للحصول على فائدة طويلة الأمد في مؤسسات أو منشآت خارج حدود بلد المستثمر.

ولتلك الاستثمارات علاقة مباشرة مع التنمية في البلد الحاضن لتلك الاستثمارات، إذ تمثل تلك الاستثمارات إحدى المصاديق الواضحة للتسهيلات الاقتصادية والتي تمثل أهم وسائل تحقيق التنمية..

فبوجود استثمارات أجنبية مباشرة يزداد معدل النمو الاقتصادي وبالتالي تتغير حالة توزيع الدخل على الفرد، وبالتالي تقلل من الفقر في البلد المستضيف لتلك الاستثمارات.

(١)

والناظر المنصف لوضع الاستثمارات الأجنبية في البلاد يرى تقدماً في جذبها واستقطابها، مما يعزز مكانة المملكة على مستوى المنطقة والعالم، ولتكون منافساً حقيقياً للعديد من الدول المجاورة وف المنطقة لجذب تلك الاستثمارات، وذلك نتيجة باقة التسهيلات والمميزات التي تتمتع بها البحرين دون سواها. ومع ذلك يبقى أن القطعة الأخرى من الصورة غير مكتملة بل لم تتضح ملامحها بعد بالصورة المطلوبة، في حين أنها يجب أن تجري بصورة متوازية وليست بصورة متتابعة. ونتيجة لغياب ذلك التباعد بين صورة جذب الإستثمارات وصورة الفرد البحريني في معيشته أصبحت تلك الصورة مادة لبعض وسائل الإعلام العالمية لتسلط الضوء على المفارقة بين واقعين، واقع الاستثمار وواقع الإنسان البحريني، وما التقرير الذي بثته شبكة سي إن إن الأمريكية (٢) إلا إحدى الأمثلة، مع اعتراضنا على طريقة التحوير والعرض الموجه. إلا أنه يبقى في الأخير أن هناك وضعاً لم يأت من عدم، بل نتيجة ممارسة ناقصة لمفاهيم أساسية متنوعة، منها الاستثمار الأجنبي المباشر، والذي بات اليافطة المرتبطة بالاقتصاد البحريني.

فمع وجود الاستمثارات الأجنبية، لا بد أن تنعكس أنشطتها ودخولها في السوق المحلية على الاقتصاد الوطني بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبالتالي يمكن للفرد البحريني أن يتلمس مقدار الفائدة التي يمكن جنيها من مثل هذه الاستثمارات التي باتت جزءً من منظومة موحدة تحت مظلة العولمة الاقتصادية، والتي من أبرز مصاديق نتائجها هو التقليل من الفقر، ورفع مستوى إنتاجية البلاد معرفياً وعلمياً، نتيجة التعاطي مع شركات متعددة الجنسيات، وتحمل من الخبرة والمعرفة ما يجب أن تكون مادة أولى للاقتصاد المعرفي في البلاد، وانعكاس كل ذلك على المستوى المعيشي للمواطنين.

ومن دون ملامسة فعلية للتغير المعرفي وبالتالي المعيشي للمواطم من خلال تلك الاستثمارات الأجنبية، فإن المجتمع سيكون كصاحبنا الذي منّى نفسه بالشواء ريحة دون أن يلمسها، في قبال صاحب المطعم الصلف والذي أراد أن يتقاضى منها ثمن تلك الرائحة ثمناً.

وهي معادلة إن لم تكتمل عناصرها سيكون الحديث عنها ضرورة لطرف وترفاً لطرف آخر.

لذا، من الضروري أن تكون تلك الاستثمارات البذرة في الإنطلاق لاقتصاد قوي، والأخذ بالخبرة والمعرفة لتملك السنارة، بدلاً من أخذ سمكة كل يوم من هذه الشركة أو تلك، ويتأتى ذلك من خلال أطراف ثلاثة، يمكنهم امتلاك السنارة بدلاً من انتظار السمكة، وهم:

أولاً: الحكومة، والتي من خلال تسهيلاتها ومميزاتها الجاذبة للاستثمار أن تضع في عين الاعتبار التوظيف الحقيقي للمعرفة من وراء تلك الشركات وإعمالها في البلاد والعباد عبر ابتكار برامج وطرق جديدة للاستفادة من تلاك الشركات كما تستفيد الأخيرة من مميزات البلاد، وذلك دون شروط منفرة لها بطبيعة الحال.

ثانياً: مؤسسات القطاع الخاص، والتي يمكنها الاستفادة من فرص تواجد الشركات متعددة الجنسيات في أخذ الخبرة والتعامل البناء معها، لأخذ الفائدة واستعمال أدوات المعرفة لتطوير أعمالها والمنافسة في قطاع أعمالها.

ثالثاً: المجتمع، حيث يمكنه جذب تلك الاستثمارات إلى ساحته من خلال الأفراد تارة أو من خلال الهيئات أو الجمعيات التي يمكن أن تقنع تلك الاستثمارات بوجود فرص متاحة بين أيديهم إن تم تقديم مقترحات مدروسة ومقنعة لتلك الشركات بالاستثمار في مناطق بعينها.

وذلك سيعود بالنفع إلى أهل المنطقة معرفياً ومادياً. من خلال التوظيف واكتساب المعرفة وتكوين مجتمعات مُصنعة صغيرة

“Microeconomic”

وفي غير ذلك سينفرد طرف بالكعكة، ويبحث آخر عن فتاتها، وسيبتعد الآخر عن الطاولة التي عليها الكعكة، يرفع صوته معترضاً ولا من مجيب.

وبالتالي سيستولي الأول على كل شيء ويرضى الثاني بأي شيء، وسيخسر الأخير كل شيء، سوى كلمات اليأس والتحبيط، والابتعاد عن التخطيط.

ويجب قلب الآية، فتتلك الاستثمارات هي فرصة للزطراف الثلاثة وخصوصاً المبتعد عن طاولة الكعكة أ يالمجتمع، ، وذلك كم ن في بيته بئر نفط، فبدلاً من استخدام والأدوات المناسبة للاستفادة منه، خذ ينشغل باإنزعاجه من النفط الذي أحدث الفوضى والوسخ في بيته.

وبعبارة أخرى، يجب الرجوع إلى طاولة الكعكة والاستفادة منها بقدر الإمكان ، لأننا نتحدث عن فرص معيشية ومعرفية، ولا دخل لموقف الكثيرين من الحكومة سلباً أو إيجاباً إزاء العديد من الملفات، فما الذي يمكن الاستفادة منه من القادم الجديد؟

وفي غير ذلك، سنكون ممن يمنّي نفسه بالوصال مع الشواء رائحة، ليحاسبنا الآخر على ذلك ثمناً، وبدلاً من الدخول بين الرائحة والرنين، علينا أن ندخل في المعمة بتخطيط جيد وعقل بارد وقلب حار للاستفادة مما يحيط بنا، وفي غير ذلك سنظل نشم الشواء إلى أن نموت كدراً، و”يتفلسف” علينا الآخرون بدفع ثمن ذلك وإن لم يضيره شيء منه.

(١) المعهد العربي للتخطيط، د. وشاح رزاق
(٢) http://www.youtube.com/watch?v=T2crxcb70RQ


0 التعليقات: